السيد محمد تقي المدرسي
164
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
أمري ، ولكيلا تكون كلا على أهلك فإن شئت رزقتك ، وإن شئت قترت عليك ، وأنت معذور عندي ، ورجل رزقه الله مالًا كثيراً فأنفقه ثم أقبل يدعو يا رب ارزقني ، فيقول الله : ألم أرزقك رزقاً واسعاً ؟ أفلا اقتصدت فيه كما أمرتك ، ولم تسرف كما نهيتك ، ورجل يدعو في قطيعة رحم " . ثم علّم الله نبيه كيف ينفق ، وذلك أنه كان عنده أوقية من ذهب ، فكره أن تبيت عنده فصدّق وأصبح ليس عنده شيء ، وجاءه من يسأله فلم يكن عنده ما يعطيه ، فلامه السائل واغتمّ هو ، حيث لم يكن عنده ما يعطيه ، وكان رحيماً رفيقاً ، فأدب الله نبيه بأمره إياه فقال : وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً ( الإسراء / 29 ) يقول : إن الناس قد يسألونك ولا يعذرونك ، فإذا أعطيت جميع ما عندك ، كنت قد حسرت من المال . فهذه أحاديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يصدّقها الكتاب ، والكتاب يصدقه أهله من المؤمنين ؛ وقال أبو بكر عند موته : أوصي بالخمس والخمس كثير ، فإن الله قد رضي بالخمس فأوصي بالخمس ، وقد جعل الله له الثلث عند موته ، ولو علم أن الثلث خيراً له أوصي به . ثم من قد علمتم بعده في فضله وزهده سلمان وأبو ذر . فأما سلمان ، فكان إذا أخذ عطاءه ، رفع منه قوته لسنته ، حتى يحضره عطاؤه من قابل ، فقيل له : يا أبا عبد الله أنت في زهدك تصنع هذا ؟ وإنك لا تدري لعلك تموت اليوم أو غداً ، وكان جوابه أن قال : مالكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم عليّ الفناء ، أو ما علمتم يا جهلة ! أن النفس قد تلتاث « 1 » على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما يعتمد عليه ، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنت . فإما أبو ذر ، فكانت له نويقات وشويهات « 2 » يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم أو نزل به ضيف أو رأى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة ، نحر لهم الجزور
--> ( 1 ) ( ) يعني تلتف بصاحبها وتوسوسه بسوء الظن بالله . ( 2 ) ( ) نويقات جمع نويقة وهي مصغر ناقة ، وهكذا شويهات وشيهة وشاة ، وقوله ( بقرم اللحم ) محركة الرم : الشهوة والميل المفرط بأكل اللحم .