السيد محمد تقي المدرسي

146

العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)

ونسب إليه كذلك قول يتحدث فيه عن ميدان ( الليسيّة ) التي بلغها ، وبقي يطيف بها عشر سنين حتى - كما قال - صرت من ليس في ليس بليس « 1 » . ثم إن شطحاته الصوفية ، نظير قوله : ( سبحاني ما أعظم شأني ) ، أو ( أنا أنت ) أو ( أنا هو أنا ) كلها تنم عن اندماج الذات بالإله ، ولها نظائر كثيرة في ( الاوبانيشاد ) و ( الفدنتا ) . ولعل أغرب شطحاته تلك ، التي تحدث فيها عن تفتيشه عن الله ، فهو لم يجد الله على العرش ، ولذلك جلس مكانه على ذلك العرش . قال : لقد غصت في بحر الملكوت عالم المثل - وفي حجب اللاهوت ، حتى بلغت إلى العرش ، فإذا هو خال ، وهكذا ألقيت بنفسي عليه وقلت : ربي أين أجدك ؟ فارتفعت الحجب ، فإذا أنا هو أنا ، نعم ، أنا هو أنا ، وعدت إلى ما كنت أنشد ، فإذا هو أنا الذي كنت أنشد ، وليس آخر سواي ! ! ! ومن الغريب حقاً أن يتلفظ مسلم في القرن التاسع ، بمثل هذه الشطحات ، التي تكاد تضعه فوق الله ، وينجو مع ذلك من الأذى ، على أن هنالك تعليقاً لمؤلف متأخر يوضح لنا هذا الإشكال ، هو أن البسطامي عندما اتهم بإهمال الفرائض الدينية ، عمد - كما قيل - إلى الوسيلة التي تذرع بها متصوفون آخرون ، وهي ( الجنون ) ؛ وهي الوسيلة التي أنقذت حياته وحياة العديدين من زملائه الصوفيين « 2 » . ولولا تظاهره بالجنون ، لكان يلقى ما لقيه زميله الحلاج ، إذ أن شطحاته لا تحتمل سوى الكفر وتحقير الشريعة ، وكان تركه للفرائض الدينية دليلًا أخراً على مذهبه الفاسد .

--> ( 1 ) ( ) المصدر ، ص 333 . ( 2 ) ( ) المصدر ، ص 334 .