السيد محمد تقي المدرسي
133
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
ولقد تأثر المسلمون في البدء بالأفكار اليونانية بصورة غير مباشرة ، وذلك عبر المذاهب المسيحية ، ولكنهم وبعد قرن أو أكثر اكتشفوا المنبع الأساسي ، فاتصلوا بالفكر اليوناني عبر مدرسة الإسكندرية . وأول من جعل الفلسفة جزءاً من التصوف هو ذو النون المصري الذي يصفه القفطي بأنه من طبقة جابر بن حيان في انتحال صناعة الكيمياء ، وتقلّد علم الباطن ، والإشراف على كثير من العلوم الفلسفية . وقد أثبت نيكلسن أن أكثر آراء ذي النون تتفق مع ما نجده في كتابات ديونيسيوس الذي تعتبر مؤلفاته نقطة الانطلاق للتصوف المسيحي في القرن الوسطي ، وليست الكتابات المنسوبة إلى ديونيسيوس سوى مؤلفات وضعها اسطفانوس برصديلي الراهب الغنوصي السرياني الذي عاش في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس المسيحي ، والذي كانت آثاره منقولة إلى العربية ومنتشرة انتشاراً واسعاً عند ظهور التصوف الإسلامي « 1 » . وكان السريان السوريون يعنون منذ عهد بعيد بنقل الآثار اليونانية إلى لغتهم وشرحها واختصارها والتعليق عليها ، ومن جملة هذه الآثار كتاب ( الربوبية ) المنسوب خطأً إلى أرسطو ، وهو في الحقيقة جزء من ( تاسوعات ) أفلوطين ، وقد أدخل الآراء الغريبة عنها ، فأصبحت مذاهب الفيض والإشراق والأدرية ( الغنوص ) والغيبوبة معروفة لديهم شائعة بينهم « 2 » . ويقول د . عبد الرحمن بدوي عن تأثير المدارس اليونانية وبالذات الأفلاطونية الجديدة في التصوف لدى المسلمين . وأهم نص في هذا الباب هو كتاب ( أثولوجيا أرسطوطاليس ) وهو - كما نعلم - فصول ومقتطفات منتزعة من ( التاسوعات ) الأفلاطونية وفيه نظريات ( الفيض )
--> ( 1 ) ( ) تاريخ الفلسفة العربية ، ص 300 ، ج 1 . ( 2 ) ( ) المصدر ، ص 301 .