السيد محمد تقي المدرسي
115
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
أنوار الملكوت ، وحلت بها خبايا الجبروت ، ولحقنها الأضواء الأحدية ، وتداركتها الألطاف الإلهية ، فأطلعت على أسرار لم أكن أطلع عليها إلى الآن ، وانكشفت لي رموز لم تكن منكشفة هذا الانكشاف من البرهان ، بل كل ما علمته من قبل بالبرهان عاينته مع زوائد بالشهود والعيان « 1 » . وعلى القارئ ألا يعجب من هذا المنطق عند صدر المتألهين ، لأنه في الواقع لغة أكثر الفلاسفة وبالذات المدعين للكشف المباشر ، بلى نجد عند الفيلسوف الشيرازي مالا نجده عند غيره من الإعجاب بالنفس ، ومدح الذات ، وادعاء الاتصال بالله ، وقد يفسر ذلك بانزوائه الشديد وشدة معارضة الناس له . ولكن يحق لنا أن نتساءل : كيف فاضت عليه الحقائق من الغيب ولم تفض على غيره ؟ هب أنه كان عبداً مخلصاً عند رب العالمين ، ولكن كيف كانت إفاضات الرب عليه تأكيداً لذات الأفكار التي درسها في شبابه عند الفلاسفة المتأثرين بالنظرية الإشراقية وبذات الأفكار الصفوية الشائعة في عصره الذي شهد امتدادات صوفية ، حتى خارج إيران ، بفضل تبني السلطات الصوفية للتصوف الذي كان أساس ملكهم ؟ أوَ لا يدعونا هذا التطابق بين أفكار العصر وآراء الفرد من جهة ، وما أفيض عليه في حالة الترهيب من جهة ثانية إلى الشك في أن منبع هذه الأفكار هو الغيب ؟ إذ ربما كانت الإفاضة من مخزن عقله الباطن وتموجات أفكاره السابقة بما يشبه إلهام الشعراء أو ابتكار المخترعين وأحلام المكبوتين . وإلا كيف يعقل أن تكون كل الأفكار الشائعة في عصر هذا الفيلسوف كالوحي المنزل صحيحة حتى تكون مشاهداته الغيبية مطابقة لعقائده التي اكتسبها بالبرهان والدراسة .
--> ( 1 ) ( ) راجع مقدمة المؤلف ، ص 8 ، ج 2 ، الحكمة المتعالية .