السيد محمد تقي المدرسي
100
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي)
ويصر بعض المستشرقين على إرجاع حكمة الإشراق إلى حضارة إيران القديمة قبل ظهور الإسلام ، وهي إيران الزرادشتية ، حتى يجعلها مشكلة إيرانية صرفة لا شأن للإسلام وللحضارة الإسلامية بها ، ويجعل من حكمة الإشراق دين إيران القديم الذي طبع الإسلام بطابعه ، وهو الطابع الإشراقي « 1 » . والواقع أن الظاهرة الثقافية الواحدة قد تكون متأثرة بأكثر من عامل واحد خارجي أو داخلي ، وظاهرة انبثاق حكمة الإشراق وليدة حاجة ثقافية داخلية هي - كما قلنا آنفاً - تحدي المناهج العقلية ذات البعد الواحد ومتأثرة - في ذات الوقت - بثقافات أجنبية هي الفلسفة الشرقية . ولا يمكننا أن ننفي تأثير البيئة الداخلية لنمو حكمة الإشراق ، كما لا يصح تغافل الأثر الخارجي ، وضمن هذا الإطار نتحدث فيما يلي عن البيئة الداخلية لهذه الفلسفة والمؤثرات الخارجية . كيف تطورت فلسفة الإشراق ؟ معروف أن أفكار أرسطو المشائية لم تجد طريقها إلى العالم الإسلامي إلا بعد أن مزجت بالروح الشرقية التي تسربت إلى مدرسة الإسكندرية ، فأكثر الفلاسفة إخلاصاً للمشائية كابن رشد مثلًا ، لم ينج من مؤثرات الروح الشرقية التي اختلطت بها عند مرورها بمدرسة الإسكندرية ، فلقد نسبت إلى أرسطو أفكار أفلاطين التي دونها في كتابه ( أثولوجيا ) . وهي طافحة بالروح الشرقية التي نجدها في الأفلاطونية الجديدة . والعرب عرفوا أرسطو من خلال هذا الكتاب ، أكثر من أي كتاب آخر « 2 » .
--> ( 1 ) ( ) دراسات إسلامية ، ص 222 . ( 2 ) ( ) إن كتاب ( أثولوجيا ) وكتاب ( الخير المحض ) كلاهما بعيدان كل البعد عن تعليم أرسطو الأصيل ، فالأول منهما قد ثبت أنه تلخيص للكتب الثلاثة الأخيرة ( أي الرابع والخامس والسادس ) من ( تاسوعات ) أفلوطين ( تاريخ الفلسفة الإسلامية ، ص 44 ) .