السيد محمد تقي المدرسي

509

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

جاء قنبر بطست وإبريق خشب ومنديل لييبس ، وجاء ليصبّ على يد الرجل ، فوثب أمير المؤمنين عليه السلام وأخذ الإبريق ليصبَّ على يد الرجل فتمرَّغ الرجل في التراب ، وقال : يا أمير المؤمنين الله يراني وأنت تصبُّ على يدي ؟ قال : اقعد واغسل فإنَّ الله عزّ وجلّ يراك وأخوك الذي لا يتميّز منك ولا يتفضّل عليك يخدمك ، يريد بذلك في خدمته في الجنة ، مثل عشرة أضعاف عدد أهل الدنيا ، وعلى حسب ذلك في مماليكه فيها . فقعد الرجل ، فقال له الإمام علي عليه السلام : أقسمت عليك بعظم حقّي الذي عرفته وبجّلته وتواضعك لله حتى جازاك عنه ، بأن ندبني لما شرَّفك به من خدمتي لك ، لمّا غسلت مطمئناً كما كنت تغسل لو كان الصابُّ عليك قنبر . ففعل الرَّجل ذلك ، فلما فرغ ناول الإبريق محمد بن الحنفية ، وقال : يا بنيَّ لو كان هذا الابن حضرني دون أبيه لصببت على يده ، ولكنَّ الله عزّ وجلّ يأبى أن يسوى بين ابن وأبيه إذا جمعهما مكان ، لكن قد صبَّ الأب على الأب ، فليصبَّ الابن على الابن . فصبَّ محمد بن الحنفية على الابن . ثمَّ قال الإمام الحسن بن عليّ العسكري عليه السلام : فمن اتّبع علياّ عليه السلام على ذلك فهو الشيعي حقّاً " . « 1 » جيم : يبدو أن من حقائق خفض الجناح ، التشاور مع الناس ، والعفو عن أخطائهم ، ولعل هذا الأخير هو المراد من قوله سبحانه : ( لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) ( الحجر / 88 ) 2 / قال الله سبحانه : ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) ( آل عمران / 159 ) 3 / وقال الله سبحانه : ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ) ( الشعراء / 215 ) وقد ورد في تفسير هذه الآية عن الإمام الصادق عليه السلام : وقد أمر الله عز وجل أعز خلقه وسيد بريته محمداً صلى الله عليه وآله بالتواضع ، فقال عز وجل : ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ) والتواضع مزرعة الخشوع والخضوع والخشية والحياء ، وإنهن لا يأتين إلّا منها وفيها ، ولا يسلم الشرف التام الحقيقي إلّا للمتواضع في ذات الله تعالى . « 2 »

--> ( 1 ) ميزان الحكمة ، ج 10 ، ص 501 - 502 ، ح 21532 . ( 2 ) بحار الأنوار ، ج 72 ، ص 121 ، ح 12 .