السيد محمد تقي المدرسي

119

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

2 / وإذا كانت سنة الحياة قائمة على أساس العدل ، فان أداء الحقوق إلى أصحابها وإصلاح ذات البين والاحسان والتعاون . . كل ذلك خير يبقى ، بينما يزول المجتمع القائم على الفساد والتطفيف . من هنا فان بقية الله خير للمجتمع الانساني . والسؤال ما هي بقية الله ؟ إنها رضوانه وثوابه . والسؤال هو : كيف يمكن لقوم مثل قوم النبي شعيب عليه السلام الحصول على الباقيات الصالحات ، إلا بترك الموبقات التي ذكرت في آيات الذكر ، ثم العمل في سبيل الله باطعام المساكين ، وأداء حقوق الفقراء ، وبناء المساجد والمرابط ، والانفاق من أجل بناء السدود والقنوات والطرق و . . و . . ، وكلما هو في سبيل الله . أليس كذلك ؟ والعمل بكل ذلك يوجب استمرار الحضارة في الازدهار للمستقبل ، وعدم الاسراف في استهلاك المكاسب الآن . وكل حضارة تقوم بالازدهار في بداية تكونها ، ولكنها تتوقف عن الازدهار ، ثم تبالغ في الاستهلاك ، انها تنتهي وتزول . أما إذا استمرت الحضارة في العمل للمستقبل ، وفي إيجاد علاقة إيجابية وبنّاءة مع الناس ومع الطبيعة ، فإنها سوف تبقى وتستمر . لذلك اعتبرنا هذا الأمر الإلهي الذي أظهره النبي شعيب عليه السلام ضماناً لاستمرار الحضارة . وتشير بعض الآيات القرآنية الأخرى إلى هذه الحقيقة ، مثل قوله سبحانه : ( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا ) ( الكهف / 46 ) 3 / ولأن المؤمن بعيد المدى ، يتطلع ابداً إلى المستقبل دون أن ينسى نصيبه من الدنيا الحاضرة ، فإنه يبقى في رحاب الزمن مع باقياته الصالحات . . بينما يموت غيره وتموت معه شخصيته . المؤمن يبقى في علمه الذي يورثه الناس ، وفي سننه الحسنة التي يجري عليها الآخرون ، فيكون له ثواب من أخذ من علمه وعمل بسنته الحسنة . ويبقى المؤمن في أولاده الصالحين الذين رباهم ويترحم الناس عليه بسببهم . أوليس يكرم المرء في ولده ؟ . ويبقى المؤمن في صدقاته الجارية التي ينتفع بها الناس . وهكذا جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وآله : " من سنَّ سنَّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينتقص من أجورهم شيء " . « 1 »

--> ( 1 ) بحار الأنوار ، ج 97 ، ص 23 .