السيد محمد تقي المدرسي
111
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
بهذه المعرفة نخطو إلى فصل هوى النفس عن هدى الحق ، لأننا إذا آمنا بوجود حق وباطل خارجين عن ذواتنا وتمنياتنا ، نشرع بالبحث عنهما بحثاً موضوعياً ، ونبحث عن آياتهما . فأين الحق ؟ إنه عند الله سبحانه ، لأنه السبوح القدوس ، لأنه تعالى عن الظلم ، لأنه قائم بالقسط ، لأنه الملك الحق المبين ، لأن قوله الحق . وهنا نخطو الخطوة الحاسمة على طريق النور ، حيث نعرف أن الحق من الله ، ومن كان على بينة من ربه فهو على الصراط المستقيم . أما من زين له سوء عمله فرآه حسناً ، فإنه يتبع هواه ، حيث يقول ربنا سبحانه : ( أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَآءَهُم ) ( محمد / 14 ) وهذه خطوة تكميلية ، فمن عرف الحق عرف الباطل ، ومن عرف الحق عرف أهله ، ومن عرف الباطل عرف أهله أيضاً . إن أهل الباطل قد يعتقدون بآرائهم ، ولكن ليس لأنها ذات رصيد في ميزان العقل ، بل لأنها قد زينت لهم . ولماذا زينت لهم ؟ لأنهم أساءوا العمل وخالفوا عقولهم وضمائرهم ، حتى طمست معالم الحق في أعينهم ، فاختلط عليهم الأمر . تماماً كمن يفقأ عينه ، فأنى له أن يبصر طريقه ، وبماذا يبصره ؟ كذلك من إقترف ذنباً يزين له سوء عمله بقدره ، وهناك يسترسل مع هواه يتبعه أنّى يتجه به . ونستفيد من الآية ؛ إن مصدر القناعة عند البشر قد يكون بينة الرب فيكون مهتدياً ، وقد يكون سوء العمل فيكون ضالًا . وعلى أي حال فإن الضال يبقى في تردد وعمى ، بينما الذي هداه الله تطمئن نفسه ويستريح في ظلال الايمان الوارف . 2 / لا تكفي تواتر الآيات هدى للبشر ، كما لا تشكل موجات النور وحدها رؤية عند الإنسان . فلولا العين المبصرة أنّى تتسنى لنا الرؤية . كذلك من دون " إرادة " الاهتداء عند الانسان وتقبل آيات الحق لا يهديه الرب . من هنا فمن كذّب بآيات الله وصدف عنها لا يهتدي . قال ربنا سبحانه : ( أَوْ تَقُولوا لَوْ أَنَّآ انْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِايَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ ) ( الانعام / 157 ) ونستفيد من الآية الكريمة ؛ إن الذين ينتظرون إكراههم على الهدى دون أن يبحثوا عنه ، أو يتقبلوا آياته ، أو يستمعوا إلى دعائه ، إنهم يظلون في عماء محيط .