السيد محمد تقي المدرسي

64

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

قل الحق ) ، فإذا احتكمنا إلى العدل رأيتنا قد وفقنا لما فيه الخير للجميع ؛ فنقسّم الدستور إلى ما يخدم الحرية عندما تكون من حق الناس الحرية ، والى ما يخدم الأمن إذا كان في مصلحة الناس الأمن . وهكذا تكون قيمة العدل ميزاناً لسائر القيم الأساسية في الدساتير . بعد هذه المقدمة نعيد بايجاز ما أسلفناه في الجزء الثالث « 1 » من هذه الموسوعة ، حسب البصائر التي استوحيناها من الوحي ؛ الايمان هو الاعتراف بالحق كله ؛ « 2 » بالله سبحانه ، وبخلقه ؛ أي بما في السماوات وبما في الأرض ؛ بالاحياء والطبيعة ، بالناس جميعاً ، وبالنفس وما فيها من روح وجسد ، وعقل وشهوات . وهذا الاعتراف قاعدة العدالة في بصائر الوحي ، لأنه يؤدي بنا إلى احترام كل الحقوق التي يفرضها ايماننا بكل ما هو حق ، ابتداءً برب العزة الخالق الحق ، ومروراً بأنفسنا وما فيها من ابعاد مختلفة ، وانتهاءً بالعالم المحيط بنا وكل ما فيه . وإذا ألقينا نظرة إلى الفلسفة وروّادها ، رأيناها تعتقد في العدالة أنها حاكمة على عالم المثُل ( عند أفلاطون ) ، ولابد من تحقيقها في عالم المادة . ويرى ( أرسطو ) تلميذه انها القيمة الأولى ( بالإضافة إلى العقل والحب ) . اما ( ابيقور ) فإنه يؤمن بتوازن اللذات ( أو العدالة بينها ) ، ويعتبر ذلك القيمة الأساسية . ويبدو ان ( هوبز ) من الفلاسفة الأوربيين قد اتخد من ( ابيقور ) هذه النظرة ؛ حين دعا إلى ايجاد توازن بين الشهوات الجزئية . بينما الديانة اليهودية جعلت طهارة القلب الأصل الأول في لوح قيمها ، ثم جعلت العدالة الأصل الثاني . واعتبرت المسيحية العدالة أقل واجبات الانسان ( مما لا يمكن تجاهلها ) . أما المذاهب الأخلاقية الحديثة ، فقد اشادت جميعها بالعدالة ، بالرغم من اختلافهم في تبريرها . فقد اعتقد ( كانت ) بما سماه ب - ( سيادة الغايات ) ، حيث أوجب ان يجعل الانسان ارادته متوافقة مع إرادة الآخرين ( بما يرجع إلى فكرة العدالة ) .

--> ( 1 ) راجع ص 188 . ( 2 ) راجع التشريع الاسلامي - للمؤلف / ج 3 / ص 213 - 225 .