السيد محمد تقي المدرسي
45
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
التعارف والحرمة ( الاعتراف والاحترام ) . فإذا اعترف كل انسان بالآخرين واحترم حقوقهم ، فقد ساد السلام واستتب الأمن . وانما الأنظمة المرعية بما فيها من القوانين الحقوقية تهدف هذا الجانب من الأمن . ونحن لا نسترسل في هذا الحقل بالحديث عن كل أبعاد الحقوق والحرمات ، لان أكثرها تُبحث - انشاء الله - في فصول هذا الكتاب ، وانما نلقي نظرة عامة على الخطوط العريضة للأمن الاجتماعي ، لعلنا نستوحي منها فكرة شمولية تنفعنا في دراسة الفروع المرتبطة بها . وهذا هو شأن كتابنا هذا ، والله المستعان . ألف : في الحياة أكثر من سبيل يحملك إلى هدفك المشروع ، ومن السبل ما هي آمنة ، ومنها ما هي خطرة . وانما الرشيد يبحث كثيراً حتى يهتدي إلى سبل السلام ، تلك التي لا خطر فيها ؛ لا عليه ، ولا على غيره . والله سبحانه يهدي من اتبع رضوانه هذه السبل ، وقد قال تعالى : وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ( العنكبوت / 69 ) . وقال تعالى : وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ( الطلاق / 3 ) ونستوحي من آيات الوحي الاهتداء إلى سبل السلام ؛ أولًا : باتباع رضوان الله ( المائدة / 15 - 16 ) ( طه / 47 ) . ثانياً : بالجهاد في الله ( العنكبوت / 29 ) . ثالثاً : بالتقوى ( الطلاق / 3 ) . باء : ومن مفردات انتخاب السبيل الأمن ، البحث عن سبيل لا يخترق مصالح الآخرين ، أو ينتهك حرماتهم ، مما يسمى بالبغي ، وقد حرّم الدين البغي بغير الحق . وقد خلق الله الانسان وجعل له كرامة ( الاستقلال والحرية ) ، وأتاه من لدنه فضلًا ( الملكية ) ، وجعل له حرمة ( شخصيته ) . فمن اعتدى على كرامة الناس أو أموالهم أو حرماتهم ، فقد بغى . ومن ذلك نفهم أصول الأحكام الشرعية : اولًا : لا يجوز الاستعلاء في الأرض ، وان يسعى أحد في سبيل استضعاف الآخرين ، والاستكبار عليهم ، وقد قال سبحانه : تِلْكَ الدَّارُ الاخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الارْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( القصص / 83 ) .