السيد محمد تقي المدرسي
432
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
ونستفيد من الآية البصائر التالية : أولًا : لقد انزل ربنا التوراة للهداية إلى الصراط القويم ، وللتزود برؤى وبصائر ومناهج وتوجيهات يتمكن الانسان - إذا استوعبها - ان يرى الحقائق بنفسه ، فيسير وفقها . وهكذا كانت التوراة هدى ونوراً . ثانياً : كان النبيون عليهم صلوات الله يحكمون بالتوراة ، ( سواءً في التشريع أوالقضاء ) ؛ وانما أوتي النبيون الحكومة ، لأنهم اسلموا لله وكانوا معصومين عن الخطأ والزلل . ثالثاً : الذين كانوا يخضعون للتوراة ، هم الذين هادوا . والحكم انما كان لمصلحة هذه الفئة ، وليس في ضررهم . رابعاً : بعد النبيين كان الربانيّون يحكمون الناس وفق التوراة . والربانيّون - حسبما يبدو لي - هم أولياء الله الذين ينسبون إلى الرب ، لأنهم كانوا في منتهى الاخلاص والتضحية ، وكانوا يجسدون روح الرسالة ؛ كأمثال الأئمة عليهم السلام ، والحواريين في التأريخ . والصفة الظاهرة لهؤلاء ، هي قيامهم لله ، واخلاصهم لله ، بالرغم من أنهم كانوا علماء بالدين ايضاً . وقد جاء في حديث مأثور عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام في تفسير هذه الآية الكريمة ما يلي : ان مما استحقت به الإمامة التطهير والطهارة من الذنوب والمعاصي الموبقة التي توجب النار ، ثم العلم المنور ( وفي نسخة المكنون ) بجميع ما تحتاج اليه الأمة من حلالها وحرامها ، والعلم بكتابها خاصه وعامه ، والمحكم والمتشابه ، ودقائق علمه ، وغرائب تأويله ، وناسخه ومنسوخه . ( يقول راوي الحديث ) قلت : وما الحجة بان الامام لا يكون إلّا عالماً بهذه الأشياء التي ذكرت ؟ قال : قول الله فيمن اذن الله لهم في الحكومة ، وجعلهم أهلها : انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار . فهذه للأئمة - دون الأنبياء - الذين يربون الناس بعلمهم ، واما الأحبار فهم العلماء دون الربانيين . « 1 »
--> ( 1 ) بحار الأنوار / ج 25 / ص 149 / ح 24 .