السيد محمد تقي المدرسي

416

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

فالله هو الحي ، مطلق الحياة ، ابدي الحياة ، واسع العلم والمقدرة سبحانه . انه ربنا ، الجدير بنا ان نتخذه ولياً ، وليس هؤلاء العباد المربوبين الأموات ، الذين يستبد بهم النوم والجهل ، ولا يملكون شيئاً . وصفة " القيوم " نابعة من صفة الحياة ، ان الله الحي بذاته ، الذي يملك ما في السماوات والأرض ، ويحيط علمه بما فيهما ، هو القيوم عليهما . وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ عرشه وسلطانه وامتداد نفوذ مشيئته وسع السماوات والأرض . فكل شيء تحيط به قدرته ، ويدبر أموره ، ويصرف شؤونه ليل نهار ، دون ان تتعبه إدارة ملكوت السماوات والأرض ، أو ان تحجبه المجرات الكبيرة بما فيها من شموس وأقمار عن إدارة ما في الذرة المتناهية في الصغر بما فيها من نواة وتوابع . وَلَا يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا لأنه تعالى عن التعب والاعياء ، وانه يقول للشيء كن فيكون . وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ عليّ لأنه حي تعالى عن أي صفة عجز ، وعظيم لأنه قيوم على كل شيء . ونستفيد من هذه البصيرة حقيقتين : الأولى : ان صفة الحي وما تتصل بها من أسماء حسنى ، هي دليل صفة القيوم . فالحي القدير المليك المقتدر العليم المهيمن ، هو القيوم الذي وسع كرسيه السماوات والأرض . الثانية : ان القائم بالقسط هو الله الذي لا إله إلّا هو . فالقيوم حقاً هو الله ، وله الولاية الحق . اما قيمومة غيره ، فهي بما خوّله الله له من الولاية تكويناً ، وفي حدود ما أمر به تشريعاً . فإذا كان الرجل قواماً في محيط الأسرة ، وإذا كان النبي قائماً في أمته وله الولاية عليهم ، وإذا كان المؤمنون قوامين بالقسط فيما بينهم ولبعضهم الولاية على البعض ، وإذا كان الناس قائمين على أموالهم ولهم السلطنة عليها ، فكل ذلك يكن في حدود ولاية الله الحي القيوم سبحانه .