السيد محمد تقي المدرسي
380
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
2 / ثم إن القرآن الكريم يخاطب المؤمنين بالذات ، لأن هذه الصفة لا تتناسب وإيمانهم بالله . أوليس الايمان بالله يعني حذف القيم الأرضية ، وتطهير النفس من احترام المال والبنين والشهرة والأرض و . . و . . مما يسبب عادة في التفاخر وسخرية الناس ببعضهم ؟ وحين ينهى ربنا عن السخرية ، فلأنها الخطوة الأولى في طريق النهاية . كيف ؟ إن من أعظم مفاخر البشر ومزاياه صفة الحياء ، حيث يتحسس الانسان بفطرته النقية . ان للآخرين حرمة لابد أن يؤديها إليهم ، ومن ملك الحياء لا يفكر في تجاوز حقوق الآخرين ، فكيف يفكر في اغتصاب حقوقهم والاعتداء عليهم ؟ وهكذا يسعى الشيطان لإزالة صفة الحياء ، وحث الانسان إلى الاستهانة بالآخرين ، وتصغير قدرهم ، والتصوير بأنهم أقل منه فيحق له إذاً تجاوز حقوقهم ، بل والاعتداء عليهم . وهنا يقف القرآن له بالمرصاد ، فيأمر بالتمسك بالحياء والابقاء على صفة احترام الآخرين حتى يقضي على التفكير في الجريمة . أرأيت كيف يسمح المستكبرون لأنفسهم بارتكاب المذابح الجماعية بحق المستضعفين ، ومنعهم من كافة حقوقهم ؟ هل فكرت يوما كيف انسلخ أولئك البشر عن إنسانيتهم واندفعوا في مثل هذه الجرائم ؟ إنهم في البدء سخروا منهم وقالوا نحن أبناء الله ، نحن الشعب المختار ، نحن ذوي البشرة البيضاء . . إختارنا الله لحكم هؤلاء الذين لم يؤتوا من الذكاء والعقل نصيباً مذكوراً ، فيحق لنا التسلط عليهم وغصبهم حقوقهم ، بل وقتلهم إن شئنا . وهكذا كونت الثقافة العنصرية أرضية الجريمة بحق الشعوب . 3 / لعل التعبير القرآني هنا يعكس طبيعة الاستهزاء عند الرجال ، حيث أنهم يفتخرون عادة بتجمعهم ويسخرون من سائر الناس . فترى أهل هذا الحي يقولون من مثلنا ؟ أو أهل هذا النادي أو ذلك الحزب أو هذا المصر أو ذلك الإقليم إنهم يفتخرون بما لديهم ويفرحون بما أوتوا من نصيب الدنيا ، فيسخرون ممن لا يملك ذلك ، حتى ولو ملك ما هو أفضل منه . أما النساء فتجري مفاخرتهن في أمور شخصية كالجمال والزينة أو النسب أو السبب . . 4 / أساس الاستهزاء بالآخرين عجب كل قوم بما يملكون من ميزات ، وفرحهم بها ، ثم تعاليهم على من سواهم بذلك ، ولعل ميزات الآخرين أعظم وأنفع للناس وأبقى عند الله .