السيد محمد تقي المدرسي
332
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
على الحظوظ ( والنعم ) التي اذن لهم فيها ( والانتفاع بها ) . ثم قال : فمن ذلك الاذن في دفع ألم الجوع والعطش والحر والبرد ، وفي التداوي عند وقوع الأمراض ، وفي التوقي من كل مؤذ آدمياً كان أو غيره . ثم قسم أنواع الأذى إلى قسمين ؛ قسم يجب دفعه ، وهو الذي ثبت من الشرع حتمية دفعه . وقسم لا يجب ، بل يجوز دفعه ، وهو الذي لم يثبت من الشرع انحتام دفعه . وقال : ان هذا الدفع المأذون فيه ، ان ثبت انحتامه فلا اشكال في علمنا . ان الشارع قصد رفع تلك المشقة ، كما أوجب علينا دفع المحاربين والساعين على الاسلام والمسلمين بالفساد ، وجهاد الكفار القاصدين لهدم الاسلام وأهله . ثم قال : واما ان لم يثبت انحتام الدفع ، فيمكن اعتبار جهة التسليط والابتلاء ( فيجوز الصبر على المحنة دون دفعها ) ، وإن ذلك الشاق مرسل ( لا حكم فيه ) ، ( من قبل الله ) المسلّط المبلي فيستسلم العبد للقضاء ( ان شاء ) ، ولذلك لم يكن التداوي محتماً . و ( قد ) تركه كثير من السلف الصالح ، واذن عليه الصلاة والسلام في البقاء على حكم المرض ، كما في حديث السوداء المجنونة ( اي المبتلاة بالصرع ) التي سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان يدعو لها ، فخيّرها في الأجر مع البقاء على حالتها ، أو زوال ذلك . وكما في الحديث ( يدخل الجنة من أمتي سبعون الفاً بغير حساب . قيل من هم يا رسول الله ؟ قال : ) الذين لا يكتوون ( ولا يسترقون ، ولا يتطيرون ) وعلى ربهم يتوكلون . ويمكن اعتبار جهة الحظ ( والانتفاع بالنعمة ، فيلزم دفع الضرر ) بمقتضى الاذن . ويتأيد بالندب كما في التداوي ، حيث قال عليه الصلاة والسلام : تداووا فان الذي انزل الداء انزل الدواء . « 1 » ولنا ملاحظات حول كلام الشاطبي : اولًا : إن المفهوم من مقاصد الشريعة تحقيق الحياة الحسنة والطيبة للبشر ، وانه يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر ، وانه نهى عن الاضرار في عدة مواقع ، وحرم ما حرم على العباد لمصالحهم . ومن كل ذلك نستوحي ؛ انه لم يأذن لنا بالحاق الاضرار بأنفسنا اعتباطاً ، وانه
--> ( 1 ) الموافقات / ج 2 / ص 152 .