السيد محمد تقي المدرسي
237
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
وقال صاحب الجواهر معقباً على كلامه هذا : مع أن طباع أكثر المدن العظيمة ايضاً مختلفة في التنفر وعدمه جداً ، كما لا يخفى على من اطلع على أحوال سكان بلاد الهند والترك والأفرنج والعجم والعرب في مطاعمهم ومشاربهم . « 1 » ولحل هذه المعضلة ، وهي اختلاف الطباع في معرفة الطيب ، قال : عنوان التحريم هو ما يستخبثه الانسان بطبعه السليم ( النظيف ) من آفة ، من حيث ذاته ، وينفر منه ويشمئز منه ، من غير فرق بين العرب والعجم ، وأهل المدن والبادية ، وزمان اليسار وغيره . « 2 » وهكذا افترض العلامة النجفي وجود معيار واحد عند جميع البشر في الطيب والخبيث ، لأن الخبيث عنده معنى قائم في المستخبث ، لا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والناس ، ويقابله الطيب الذي هو كذلك . فلا عبرة بنفرة بعض الطباع ( من بعض ألوان الطيب ) لعدم تعود ، أو لعدم ملائمة لخصوص ذلك الطبع ، أو لغير ذلك مما يكون سبباً للنفرة ، لا من حيث الطبع الانساني المشترك بين غالب افراده . « 3 » أقول : في حقل العرف ، وانه معيار لكثير من الأحكام الشرعية ، وبالذات في مثل المعاشرة بالمعروف ، يرى الفقهاء ان المراد هو العرف الذي يعايشه الفرد ، وليس أي عرف ، ولم يحددوا معياراً واحداً مشتركاً للعرف في كل زمان ومكان . وهناك أمور مشابهة مثل الزينة ( للنساء ) ، والاستطاعة ( للحج ) ، والاسراف وغيره ( في أبواب الحقوق الشرعية ) . ولعل في الآية الكريمة التي يقول الله فيها : بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ( القيامة / 14 - 15 ) دلالة على أن بعض الأمور ترجع إلى المعيار الذاتي ، لا الموضوعي . وتفصيل ذلك ؛ إن هناك بعض الخبائث والطيبات معروفة عند البشر ، لا يتفاوتون فيها مثل فضلات البشر ، وبعضها يختلفون فيها . فنرجع فيما اتفقوا إلى المعيار الموضوعي ، كما نرجع فيما حدده الشرع من الخبائث والطيبات إلى الوحي . وفيما عداهما يرجع أهل كل عرف إلى عرفهم ، فما رأوه طيباً أكلوه ، وما وجدوه خبيثاً اجتنبوه . .
--> ( 1 ) جواهر الكلام / الطبعة السادسة / ج 36 / ص 238 . ( 2 ) المصدر / ص 239 . ( 3 ) المصدر .