السيد محمد تقي المدرسي
98
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
المسؤولية الجماعية : المسؤولية هي القيمة التي يحدثنا عنها السياق القرآني في سورة الإسراء بصورة مركزة ، ولعل هذه السورة تدور حول هذا المحور في الآيات ( 7 - 13 - 14 - 15 - 17 - 36 ) . والانسان مسؤول عن نفسه ومسؤول عن مجتمعه ، مما يصنف المسؤولية نوعين : الجماعية ، والفردية . وفي سورة الإسراء يذكرنا الله سبحانه عنهما جميعا . 1 / فالآية ( 7 ) هي التي تحدثنا عن المسؤولية الجماعية ، حيث يتحمل كل فرد مسؤوليته عن المجتمع وعن حضارته وتقدمه ، كما يتحمل المجتمع ككل المسؤولية عن نفسه . فيقول ربنا سبحانه وتعالى ضمن آيات أخرى : وَقَضَيْنَآ إِلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الارْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً * فإِذَا جَآءَ وَعْدُ اولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَآ اوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِامْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ( الاسراء / 4 - 6 ) . ثم يؤكد المسؤولية الجماعية بقوله سبحانه : إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لَانفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ( الاسراء / 7 ) . من هذا السياق نستوحي ؛ ان بصيرة القرآن عن التاريخ ، تبدأ من الانسان نفسه ، ومدى مسؤوليته عن افعاله . فإذا تقدمت أمة أو تخلفت ، فهي بسبب ما أحسنت أو اساءت . ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " ألا كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته . فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته ، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم ، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم " . « 1 » 2 / وهكذا تتوسع دائرة المسؤولية عند الانسان ، حتى تبلغ الكرة الأرضية . فالفساد الذي ينشأ من انحراف البشر ، ينتشر في الطبيعة من حوله . فإذا بالتلوث يصيب البر ، ومنه ينتقل إلى البحر . وإذا بالبيئة كلها تفسد بفعل الانسان . وقال الله سبحانه : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ( الروم / 41 ) . وقد جاء عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : " اتقوا الله في عباده وبلاده ،
--> ( 1 ) ميزان الحكمة / ج 4 / ص 327 . عن صحيح مسلم / ج 3 / ص 1459 .