السيد محمد تقي المدرسي
455
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
مِّنَ الْخُلَطَآءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ ( ص / 24 ) وهنا يأتي دور العفو والاحسان ، كما يأتي دور الصلح الذي يفتح الباب واسعاً امام أي حل للخلاف يراه العرف ويتراضى به الخصمان . وقد لخصت الآية القرآنية قيمة الصلح بكلمة وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ، والتي نستفيد منها احكام الصلح في حقوق الناس بعضهم على بعض . الف : الصلح عقد يهدف تحسين العلاقة القائمة بين الافراد ، بالتراضي والتسالم في الحقوق المتبادلة . ومن حقائقه ؛ الصلح بين الزوجين ، وبين ذوي القربى إذا خيف عليهم التخاصم في الإرث ، وبين الطائفتين المتنازعتين في الأمة ( بعد التقاتل ) . وتشترك هذه الموارد في ضرورة تنازل طرف للاخر ببعض ما يراه حقاً له ، من اجل اصلاح ذات البين ، ووقف النزاع الذي يكون أشد ضرراً من ضرر فقدان الحق المتنازل عنه . وقد اعتبر الفقهاء الصلح عقداً خاصاً بنفسه ، فقال الشهيد الأول عن الصلح : وهو أصل في نفسه . « 1 » وعلق عليه الشهيد الثاني بالقول : على أصح القولين وأشهرهما ، لا فرع البيع والهبة والإجارة والعارية والابراء ، كما ذهب اليه الشيخ فجعله فرع البيع إذا أفاد نقل العين بعوض معلوم ، وفرع الإجارة إذا وقع على منفعة معلومة بعوض معلوم ، وفرع العارية إذا تضمن إباحة منفعة بغير عوض ، وفرع الهبة إذا تضمن ملك العين بغير عوض ، وفرع الابراء إذا تضمن اسقاط دين استناداً إلى افادته فائدتها . « 2 » وقال آية الله السيد الخوئي ( ره ) : الصلح عقد مستقل ، ولا يرجع إلى سائر العقود ، وان أفاد فائدتها . « 3 » وهذه النظرية تبدو صحيحة بالنظر إلى أن كل عقد مشروع يفيد فائدة معينة ، وإلّا لم
--> ( 1 ) اللمعة الدمشقية ( الطبعة الثانية ) ج 4 / ص 175 / كتاب الصلح . ( 2 ) المصدر . ( 3 ) منهاج الصالحين / ج 2 / ص 192 .