السيد محمد تقي المدرسي

196

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

تُوعَدُونَ ( فصلت / 30 ) وهكذا المؤمن الذي عزم بتوفيق الله على الاستقامة ، يؤيد بالملائكة الذين يثبتونه ، ويبشرونه بالجنة . ومن اشتاق إلى الجنة ، سلا عن الشهوات ، واستهسل المكاره . المؤمن قد يشعر بالوحدة ، حين يرى أكثر الناس يخذلون الحق ، ولا يتناهون عن المنكرات . هناك ينصره الله - إذا استقام - بالملائكة الذين يبشرونه بأنهم أولياءه . دال : وكلمة أخيرة ؛ النفس البشرية كما الفولاد ، ولا تصلح إلّا بتعرضها لنيران الفتنة الشديدة . وكل فتنة تقع فيها النفس ، تتخلص بها من بعض الشوائب ، حتى تصفو من أكثرها ، وتكون صالحة للعودة إلى الجنة . إذ الجنة ليست محلًا للنفوس المريضة . انها دار السلام ، فلا يدخلها من في قلبه كبر أو طمع أو غل . . وإذا كانت الجنة مثل الدنيا يمكن ان يعيش بها مختلف الناس ، لانتفت حكمة الخلق ، ولما اخرج أبونا آدم وزوجه من الجنة . . انهما اخرجا لما كان في قلوبهما من طمع الملك والخلود ، فوسوس اليهما الشيطان بإثارة هذا الطمع حتى اخرجهما . وانما يعودان إليها بعد تصفية ذلك الطمع ، حتى يكونا كما قال سبحانه : لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ( الأعراف / 46 ) وقال تعالى : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِنْ غِلٍّ ( الأعراف / 43 ) . ومن هنا فان حكمة الفتن تطهير النفوس من تلك الرواسب ، التي لا يدخل الجنة من كانت فيها . وانما الذي يستقيم على الطريقة ، يتخلص منها بإذن الله تعالى . والله المستعان . الاستقامة في تطبيق الشرائع : ( التوبة / 7 ) ؛ ثلاثة بصائر نستفيدها من هذه الآية الكريمة : ألف : ان اهتمام المجاهد بالاستقامة في طريق الكفاح الشائك ، لا يمنعه عن الاهتمام بها في سائر ابعاد الحياة . فبالرغم من صراع المجاهد مع أعداء الاسلام ، إلّا انه يلتزم بعهوده معهم . لان صراعه مبدئي ، وقائم على أساس الايمان ، وليس الهوى والحمية . باء : ان القيم ، حقوق متبادلة بين أبناء البشر . فكلما تمسكت أمة بقيمها ، استحقت التمسك معها بالقيم . وقد قال ربنا سبحانه : وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ( البقرة / 194 )