السيد محمد تقي المدرسي

178

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

والأرض جعلها للناس جميعاً ، حيث يقول سبحانه : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبَها وَكُلُوا مِن رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ( الملك / 15 ) . فإذا كان الناس قد خلقوا من نفس واحدة ، وإذا كانت الأرض لهم ، فما هي هذه الفوارق الفاحشة بين انسان ولد من هذا الأب أو في هذه الأرض ، وبين ذلك الانسان الذي ولد من أب آخر أو في ارض ثانية ؟ بلى ؛ لا يمكن الغاء الانتماء الفطري ( إلى النسب أو الأرض ) ، ولكن لا يمكن جعله القيمة الأسمى . بل هو خاضع لقيمة الإرادة ، والانتخاب الحر للانسان . 4 / ودين الاسلام الحنيف قد جعل ولاية الايمان ، والانتماء الإرادي الشفاف ؛ القيمة الأسمى ، والمعيار الأساسي للتابعية . فحينما أثير جدل حول الانتماء إلى النبي إبراهيم عليه السلام ، جاءت الآية الكريمة واضحة جداً : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ( آل عمران / 68 ) . وقال ربنا سبحانه ، حول ولاية المؤمنين لبعضهم : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَولِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ اوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( التوبة / 71 ) . وقال عن الكفار : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ( الأنفال / 73 ) . وبعد ان قال سبحانه : وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ قال تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ( الحجرات / 13 ) . فالتقوى ( التي تتصل بإرادة الانسان ) ، هي الأساس للكرامة . 5 / ومن هنا كانت دار الاسلام ، هي الدار التي يسكنها المؤمنون بالاسلام ، سواءً ولدوا من أبوين مسلمين أم لا ، وسواءً ولدوا في ذات الأرض أم لا ، وسواءً انتموا إلى هذه السلالة أو القومية أم تلك . . 6 / ويأتي أساس قانون الهجرة من هذه الفلسفة . فإذا هاجر انسان إلى دار الاسلام مسلماً ، فقد أصبح مواطناً لها ، وله ولاية المسلمين ( كما سبق في بحث فقه الآيات آنفاً ) . وهكذا حرّم الاسلام التعرب بعد الهجرة ، وقد جاء في حديث مأثور عن الامام أمير