السيد محمد تقي المدرسي

130

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

وكلمة أخيرة : لقد هبط الروح الأمين على الرسول الكريم صلى الله عليه وآله ليبشر العالم بحياة طيبة . ونجد تفصيل القول في هذه الحياة ، في الكتاب والسنة على صورة قيم وقواعد وشرائع . والقيم والقواعد هي الأصول ، والشرائع هي الفروع . ونحن قد تمسكنا ببعض الشرائع ، ونسينا القيم والقواعد إلّا حظاً بسيطاً منها . وسمّيناها تعاليم أخلاقية ، وكأنها مثل عليا تخص الرجال المخلصين وحدهم ، وليست لها قيمة اجرائية عملية . واليوم وحيث تتقدم البشرية باتجاه المثل العليا للاسلام ، وتسن الدول المزيد من التشريعات القانونية لتطبيقها ؛ مثل قوانين تنظيم العلاقات الأسرية ، وأخرى للعقود والمعاملات ، وايضاً قواعد السلوك المدني ، وبالتالي قوانين حقوق الانسان والبيئة وما أشبه . . أقول : في هذا العصر يجدر بنا ان نضيق الفجوة غير المبررة بين القيم والقواعد التي نزل بها الوحي ، وبين الأحكام الشرعية . فعلينا ان نستوحي المزيد من الاحكام الفقهية من تلك القيم ؛ مثلًا جاء في الحديث الشريف : " من اتلف مال الغير فهو له ضامن " ، ومن هذا الحديث استوحى الفقه جملة احكام ( قوانين ) . ولكن الحديث الشريف الآخر الذي يقول : " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " ، هو الآخر حديث مأثور عن النبي صلى الله عليه وآله ، فلماذا لا نستوحي منه قوانين للتكافل الاجتماعي ؟ فذاك حديث وهذا حديث ، ولكل منهما قيمة تشريعية . وكذلك استفدنا من الحديث الشريف : " لا ضرر ولا ضرار " مجموعة من الاحكام في نفي الاضرار بالناس ، وفي تحديد الاحكام والمعاملات بحدود الضرر البالغ . ولكن لم نستفد من قول الإمام علي عليه السلام : " اتقوا الله في عباده وبلاده ، فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم " ما ينفعنا في تنظيم علاقاتنا بالبيئة ، وفي منع الاسراف في الطاقة التي تستنزف موارد البشر ، ومنع تلويث الجو ، وردع افساد الغابات ، وصيد الحيوانات النادرة ، وما أشبه . بلى ؛ تبقى التعاليم الأخلاقية أوسع أفقاً من التشريعات ( القانونية أو الفقهية ) ، حيث لا يمكن ان نحوّل كل التعاليم إلى احكام . ولكننا وبسبب تقدم وسائل العصر ، وتقدم البشرية في افاق العلم والتربية ، وايضاً تزايد الحاجة إلى ضبط الأمور ؛ بسبب كل ذلك