السيد محمد تقي المدرسي
121
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
أو التي يحس بها كل انسان تجاه نفسه والمحيط الخارجي منه . . فلو استخدمنا مثلًا كلمة الالتزام ، فان ظلال الكلمة تنحسر عن تلك الواجبات التي لا يحس الفرد بالالتزام تجاهها ، أو التي لم يسبق وان التزم بها ، بل فرض عليه فرضاً من قبل القانون أو الشرع أو العرف أو ما أشبه . « 1 » وكذلك كلمة التعهد أو العقد الاجتماعي ، والحق الشخصي والحق العيني ، وسائر الكلمات التي استخدمها القانون ، قصرت عن آفاق معنى المسؤولية . على أن تلك الكلمات - بعكس كلمة المسؤولية - لا تنطلق من حكمة الاسلام في الواجبات والحرمات ، بل تنطلق من فلسفات بشرية قاصرة . فالحكمة الإلهية تبصّر البشر بامانته التي تحمّلها في الميثاق الأول ، والتي أشفقت السماوات والأرض والجبال عن حملها . . وهي أمانة العقل والمشيئة الحرة . والقدرة والعلم ، وبالتالي تلك الأنوار التي ميزته عن سائر الأحياء وسائر الأشياء وجعلته مسؤولًا عن سعيه . وهذه البصيرة النافذة للمسؤولية واصلها الفطري ، تسع آفاقاً لا يبلغها أي قانون وضعي . الانسان - اذاً - مسؤول امام ربه ؛ عن نفسه في مختلف الابعاد ( عن هدايته وفلاحه ، عن روحه وجسده ، عن صحته وأمنه ، عن تقدمه ورفاهه ، عن عقله وعلمه ، عن حبه وبغضه و . . و . . ) ، كما هو مسؤول عن أهله الأقربين ( أولاده وزوجته وأسرته وعشيرته ) ، كذلك هو مسؤول عن المجتمع المحيط به ، الأقرب فالأقرب . وتتسع آفاق مسوؤليته ، حتى تشمل مسؤوليته عن بقاع الأرض وهوامها ، وعن البيئة المحيطة به . . لأنه قد حمل الأمانة ، ولأنه تحملها في الميثاق ، ولأنه قد سخرت له ما في الأرض ، ولأنه سيد الكائنات المحيطة به . فكيف لا يكون مسؤولًا عنها ؟ اذاً ؛ مسؤولية الانسان تتصل بقدراته . بنعم الله عليه ، وحدودها واسعة . قال الله سبحانه : انَّا
--> ( 1 ) يقول ريكو باوند في كتابه مدخل إلى فلسفة القانون ص 89 : ان لفظ الالتزام ، وهي كلمة رومانية تعني العلاقة القائمة بين طرفين ، والتي يطلق عليها الفقهاء التحليليون اسم الحق الشخصي ، وهو لفظ دخيل على القانون الأنجلو - سكسوني . وفضلًا عن ذلك فان العلاقة التي تشير إليها كلمة الالتزام هذه ، ليست بالعلاقة العامة من اجل اغراض الترتيب والتصنيف . ثم ينعت تعبيري " الحق الشخصي " و " الحق العيني " بأنهما مضللان . وفي الأخير يقول : ولذلك فاني ساستعمل في هذا الباب كلمة المسؤولية .