السيد محمد تقي المدرسي

104

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

مساره ، فهو مسؤول عنها . يقول ربنا سبحانه : وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ الْسَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا ( الاسراء / 36 ) . هنا تستخدم كلمة المسؤولية ، مما يوحي بان مسؤولية الانسان عن أفكاره ليست بأقل من مسؤوليته عن افعاله . 2 / وانها لجريمة كبرى ؛ ان يفتري المرء على ربه ، فيصوغ فكرة خاطئة ثم ينسبها إلى الله سبحانه ، لكي يلبسها كساء الشرعية زوراً . ( انها مناقضة تماماً لحالة التسليم للحق ، واتباع العلم لبلوغ الحقيقة ، وانها تستوجب عذاباً شديداً ) . وهكذا يأمر الله رسوله بأن يتحمل وحده مسؤولية كلامه ، ويقول لأمته انه لو افترى على الله فلا أحد يتحمل عنه مسؤولية افتراءه . قال الله تعالى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَّ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( الأحقاف / 8 ) . باء : المسؤولية عن الهواجس 1 / قبل ان يقرر البشر شيئاً يفكر فيه ، وتدور في خلده الهواجس المختلفة . وكل هاجسة ، ناشئة نزعة نفسية شيطانية أو رحمانية . واختيار هاجسة على أختها ، وفكرة على أخرى ، يتم بوعي وبإرادة ، والانسان مسؤول عن تلك الإرادة . قال الله تعالى : رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلَاوَّابِينَ غَفُوراً ( الاسراء / 25 ) . هذه الآية تؤكد على مسؤولية الانسان عما في نفسه . 2 / الجزاء على العمل ، ولكن المسؤولية تشمل النية . ولذلك فمن نوى شرا ثم انصرف عنه يعفو عنه الرب ، حيث يقول ربنا سبحانه : لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( البقرة / 284 ) . هكذا استفاد الفقهاء من الآية ؛ ان النية التي لا يعمل بها صاحبها تغتفر له ، بدليل قوله سبحانه : فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وسواءاً دلت هذه الآية أم لا ، فإنها لا ريب صريحة في محاسبة الله الانسان عما يختلج في ضميره ، سواءاً أبداه أم أخفاه .