السيد محمد تقي المدرسي
352
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
وَلَمَّا جَآءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا الله وَأَطِيعُونِ ( الزخزف / 63 ) . 8 / وهذه الحكمة حسبما يبدو بالتأمل هي ذاتها التي آتاها الله عيسى ( عليه السلام ) بالإضافة إلى الكتاب ، وهي التي تمثلت في الإنجيل كما تمثل الكتاب في التوراة ، وقال الله الله تعالى : وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ( آل عمران / 48 ) . 9 / وقال الله تعالى : إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ ( المائدة / 110 ) . 10 / وهذه المقارنة بين الكتاب والحكمة قد جاءت في آية أخرى من سورة ( آل عمران ) وفي إشارة قريبة إلى النبي عيسى ولكن بتعبير ( الحكم ) ، حيث قال الله تعالى : مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ الله الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِن دُونِ الله وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ( آل عمران / 79 ) . وواضح ان النصارى اتهموا عيسى بن مريم ( عليه السلام ) بأنه دعاهم إلى عبادة نفسه ، فالحكم هنا حسبما يبدو هو ذات الحكمة هناك . 11 / وهكذا أتى الله آل إبراهيم ( ومنهم بنو إسرائيل ولعلهم هم مراد الآية وحدهم ) الكتاب والحكمة ، وقال الله تعالى : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآءَاتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَاهُم مُلْكاً عَظِيماً ( النساء / 54 ) . 12 / ولعل هذه الحكمة هي ذات القيم التي أتى الله بني إسرائيل وعبر عنها بالحكم في آية أخرى ، حيث قال الله تعالى : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنِي إِسْرَآئِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ( الجاثية / 16 ) . وبالمقارنة بين الآيتين نستفيد ان الرزق والتفضيل هنا هو ذات الملك الكبير في الآية السابقة ، والله العالم . 13 / وكما اتى الله الأنبياء ( عليهم السلام ) فقد اتى رسولنا النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) الكتاب والحكمة ( وكان ذلك فضلا عظيما ) ، وقال ربنا عز وجل : وَلَوْلَا فَضْلُ الله