السيد محمد تقي المدرسي

14

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

روي عن حفص بن غياث أنه قال لي أبو عبد الله ( عليه السلام ) : يا حفص ؛ ان من صبر صبر قليلًا ، وان من جزع جزع قليلًا . ثم قال : عليك بالصبر في جميع أمورك ، فان الله عز وجل بعث محمداً فأمره بالصبر والرفق . فصبر ( صلى الله عليه وآله ) حتى نالوه بالعظايم ورموه بها ، فضاق صدره فأنزل الله عز وجل : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ « 1 » 14 وهكذا قوله سبحانه : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ( النحل / 103 ) . هذا من تلك التهم والافتراءات التي وجهت للرسول من قبل أعداء الدين ، والتي أحاط بها ربنا علماً . 15 وعلم اليقين قد يحصل للانسان ، وذلك حينما يرى في الآخرة حقائق الجزاء من النيران الملتهبة أو جنان واسعة . . . وقال الله سبحانه وتعالى : كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ( التكاثر / 5 ) . 16 قال الله تعالى : قَالُوا نُرِيدُ أَن نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ ( المائدة / 113 ) . ترى ان قولهم ؛ اي قول بني إسرائيل الذين طلبوا نزول المائدة لتكون آية لأولهم ولآخرهم قولهم : وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا جاء بعد قولهم : وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا . فالعلم بصدق الرسول هو اسمى درجات الهداية ، لأنهم كانوا قد آمنوا بالنبي عيسى وبصدقه . ولكنهم كانوا يبحثون عن المزيد من الطمأنينة ، حيث كانوا يبحثون عن الطمأنينة . وحينما كانت تحصل لهم الطمأنينة هذه ، كانوا قد بلغوا مرحلة العلم حيث قال ربنا : وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا . 17 ومثل ذلك علم البشر بالعاقبة التي تكون للمؤمنين بعد تحققها ؛ اي بعد غلبة الدين على الكفر وظهوره على الشرك ، هنالك يكون للناس علم . وهذا العلم هو علم الشهود والحضور ، حيث يقول الله تعالى : قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ

--> ( 1 ) تفسير نور الثقلين / ج 3 / ص 37 / رواية رقم 129 . .