السيد محمد تقي المدرسي

32

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

كراماً ، والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً ، والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ، واجعلنا للمتقين اماماً ، أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاماً ) « 1 » . وبالتأمل في هذه الآيات المباركة ، التي تصف عباد الرحمن - الذين تمت عبوديتهم لله ، واكتملت نفوسهم بها - نجد القيم الايمانية مجتمعة بالرغم من أن ساقها يختلف عن سياق سائر الآيات ، التي ذكرت بها ، ولكنها تشع من مشكاة واحدة . فهنا الحديث عن العبودية ، واظهر تجلياتها التواضع ، وان يمشوا على الأرض هوناً ، فلا تكبر ولاغرور ، ولابطر ولا تعالي ، وتظهر تجليات ذلك الخلق الرفيع في قولهم سلاماً رداً على لغو الجاهلين . اما جوهر تلك العبودية فهو : يتجلى في تهجدهم بالليل وخوفهم من عذاب جهنم . وفي سلوكهم يظهر التعادل ، فتراهم لايسرفون ولايقترون عند الانفاق ( مما تدل على صفة العبودية في أنفسهم ، حيث إنهم يخضعون لهدى عقلهم ، وليس لاهواءهم في قراراتهم الاقتصادية والحياتية ) . وتتجلى عبوديتهم لله في حياتهم السياسية ، عند دخولهم في ولاية الله ، وعدم خضوعهم للطاغوت ولأية آلهة تعبد من دون الله ، وكذلك عند تقيدهم بحقوق الآخرين ، وابرزها حرمة النفس والعرض . واما في المجال الاجتماعي ، فشهادتهم لله وللحق ، ولا تكون ابداً شهادة زور ، وسلوكهم الحق ، فتراهم إذا مروا باللغو ( والباطل باقسامه من الغناء والفحش والجدال وما أشبه ) فأنهم يمرون كراماً ( يربأون بأنفسهم عنه ) . وفي الثقافة تتجلى عبوديتهم لله ، بقبولهم للقول الحق ، فإذا ذكروا بآيات ربهم ، استمعوا إليها ، وانتفعوا بها ، ولم يصموا آذانهم عنها . وهم - إلى ذلك - يتطلعون إلى ذروة التكامل ، وهكذا يريدون لذريتهم أفضل الحياة ، ويدعون ربهم ان يجعلهم للمتقين اماماً ( ذروة في التقوى ) .

--> ( 1 ) - الفرقان / 63 - 75 .