السيد محمد تقي المدرسي

80

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

تدرسها مجردة عن الشعوب وعاداتها الجزئية تصبح فلسفة من الدرجة الأولى . وليس الدين - كما يدّعى الاجتماعيون - ظاهرة اجتماعية نستخلصها من دراسة مجموع الطقوس والشعائر الدينية ، وانما يتصل الدين بمنابعه في القلب والضمير عن طريق اخلاص النية في الاتجاه ، وبالتعبّد والمناجاة بعيداً عن كل شعائر أو طقوس « 1 » . فلأن الانسان كان فيه فطرة الدين وجدت الشعائر الاجتماعية والطقوس العامة للدين « وليس العكس » . فالاحساس بوجوب العبادة كان سبب لوجود المسجد وليس العكس كما أن الأساس بالجوع كان سبباً لوجود المطاعم وليس العكس . وحتى « دوركايم » حينما أراد التمييز بين الدين وغيره استخدم عبارة المقدس وقال : تفترض العقائد تقسيم الأشياء والعالم إلى ما هو مقدس وما هو غير مقدس ، واعتبر هذا التقسيم هو الصفة الممّيزة للفكر الديني مهما بلغت درجة سذاجته أو تعقده « 2 » . ونتساءل : ما الذي جعل الانسان يميز بين المقدس وغير المقدس واساساً من أين جاءت فكرة التقديس لو لم تكن للانسان فطرة التعالي عن المادة والتحليق في سماء القدس والطهر المعنوي . وكذلك رأى « موسى » ان كل الديانات نجد فيها نوعاً من المثالية الروحية التي تتجلّى في القربة من الله بالتسابيح والعبادات والقربان والأماني ، وتلك مظاهر دينية خالصة « 3 » . بل وحتى ( اوجست كونت ) مؤسس المنطق الوضعي اكّد على قيمة ثابتة في النفس البشرية هي منشأ الاخلاق حيث اعترف بوجود فطرة حب الآخرين واعتبره من أقوى الغرائز « 4 » .

--> ( 1 ) - المصدر ص 217 - 218 . ( 2 ) - المصدر ص 111 . ( 3 ) 5 - المصدر ص 113 . ( 4 ) - راجع د . فروغي في كتابه : سير حكمت در أوروبا بالفارسية ج 3 ص 127 . .