السيد محمد تقي المدرسي
77
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
فما ابعد محتويات الضمير من أن تظل ثابتة لأنها في صراع ، ويلحقها التغيّر حيث تستبعد بعض العناصر القديمة حتى تحل وتنظّم في بنية الضمير تلك العناصر الجديدة ، ولا يتم هذا التغيير دون اصطدام بين محتويات الضمير في استبقاء البعض واستبعاد البعض الآخر « 1 » . وهكذا أخرجت المدرسة الاجتماعية ، القيم وعلم الاخلاق من اطارها الفلسفي الذي يبحث عن المطلقات وعما ينبغي فعله وبالتالي عن معرفة الخير والشر إلى اطار آخر ، محتواه دراسة العادات والأعراف والظواهر الاجتماعية ، وبالتالي دراسة الواقع دراسة موضوعية بعيداً عن الخير والشر ، أو عن فكرة الواجب والحرام ، وهكذا ذهب ( البيربايية ) وهو واحد من المتأثرين بمدرسة « دوركايم » ، ذهب إلى أن الطريقة العلمية الوحيدة تتمثل في حصر تلك الظواهر والقواعد الأخلاقية في قوائم محددة ثم تصنيفها وتبويبها ، حتى يتسنى لعالم الاجتماع تفسيرها بإلقاء الضوء على أسبابها التاريخية ووظائفها الاجتماعية « 2 » . ولنا حوار عريض مع هذه المدرسة في هذه النقطة بالذات يتبين عبر النقاط التالية : اولًا : لم يأت هؤلاء بأيّ جديد إذ بيّنوا وجود متغيرات في حياة البشر ، فمن ذا الذي ينكر وجود الاختلاف بين الناس ، في عاداتهم واخلاقهم وشرائعهم ، بلى ان الجديد - لدى علم الاجتماع الحديث - دراسة هذه الاختلافات وإرجاعها إلى أسبابها الموضوعية ومحاولة اكتشاف قوانين جديدة من خلال هذه الدارسة ، تتصل بعلم ظواهر المجتمع . ثانياً : إن انكار وجود قيم ثابتة وواحدة عند جميع الناس ، قائم على أساس المنطق الوضعي ، الذي قامت عليه اساساً المدرسة الاجتماعية بصورة عامة ، وقد سبق أن ناقشنا - في الفلسفة وعلم المنطق - « 3 » أساس المنطق الوضعي ، وانه لا يصلح ان يكون منطقاً لكل آفاق المعرفة البشرية ، وعلى ذلك فان أساس تطور القيم أساس واهي . ثالثاً : كما أن التغير والاختلاف حقيقة ثابتة ، فان الثبات والوحدة حقيقة ثابتة
--> ( 1 ) - المصدر ص 78 - 79 . ( 2 ) - المصدر ص 81 . ( 3 ) - كتاب الفكر الاسلامي مواجهة حضارية ، المنطق الاسلامي أصوله ومناهجه للمؤلف . .