السيد محمد تقي المدرسي

73

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

القيمة ليست في ذات الأشياء ، والا لما تناقضت واختلفت ، ولكنها تكمن في الروح الجمعية ، ويضرب مثلًا لذلك بالعلَم الذي ليس الا قطعة من القماش ، ومع ذلك يكافح الجندي من اجله لماذا ؟ لأنه يمثل المجتمع ، ومن هنا يريد ان يبرهن « دوركايم » على فكرته التالية انه ليست للأشياء أيّة قيمة الا في صلتها بحالات وأصول اجتماعية ، ولذلك تتغير القيم من حين إلى آخر طبقاً لتغير اتجاهات الرأي العام . ويبلغ « دوركايم » ذروة أفكاره الاجتماعية بالقول : ان القيم الخلفية قيم وقتية من حيث إنها صدى لذلك الصوت الجمعي العظيم الذي يحدثنا بنغمة خاصة في ضمائرنا ومشاعرنا « 1 » . ويستدل « دوركايم » على فكرته بأنه لو كانت القيم نابعة من ذواتنا اذاّ لكانت واحدة في كل زمان ومكان ولكننا نجدها ليست كذلك فنعرف انها ليست نابعه من ذواتنا . فان « المثل الاعلى الروماني » لا يعيش بيننا الآن ، كما لا نعتبره مثلًا أعلى بل قد يكون محل الازدراء والاستهجان ، ومعنى ذلك ان معيار القيم ، هو معيار متغير ، نظراً لتلك التغيُّرات التي تصيب الثقافة والتأريخ « 2 » . اما لماذا يعتبر المجتمع ؛ الكائن الاعلى ؛ والقيمة المتعالية ، والكائن الأمثل ( وهذه تعابير دوركايم ) فلأن المجتمع لا يمكن ان تقوم له قائمة من دون خلق القيم والمثل العليا ، حيث إن تلك القيم والمثل هي الأسس الوجودية التي يستند إليها المجتمع ، لتحقيق وجوده فيبلغ بفضلها أوج تطوره وتقدمه « 3 » . وقبل ان تسترسل مع المدرسة الاجتماعية ، في بيان أراءها بشأن المجتمع ، وانه مصدر قيم الفرد ، ينبغي ان نبين بعض الرؤى بشأن أسسها التي تعتمد عليها وهي التالية : اولًا : لقد عالجت المدرسة الاجتماعية بُعداً من حياة الانسان ( البُعد الاجتماعي ) وكشفت طائفة من قوانينها وكانت اساساً لعلوم اجتماعية هامة .

--> ( 1 ) - المصدر ص 67 . ( 2 ) - المصدر ص 69 . ( 3 ) - المصدر 70 . .