السيد محمد تقي المدرسي
58
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
ثانياً : هذه الجدلية لا تعترف وبصورة حاسمة بحق لأيّ شيء سوى الانسان ، ( حقوق الحيوان مثلًا ) ولكن ذات الطباق الجدلي الذي أثبت به قيمة الإرادة المطلقة ( بعد الإرادة الكلية ) يمكن اجراءه لاثبات حقوق سائر الكائنات ، صحيح انها لا تملك إرادة وبذلك لا تستحق حقاً ، ولكنها تملك وجوداً وللوجود حقوق بقدره حسب وجداننا الذي به اعتقدنا بالحق لصاحب الإرادة ؟ . وبتعبير آخر : لماذا آمنا بحق صاحب الإرادة ؟ أليس بالوجدان ، فكيف نطق الوجدان لحظة ثم سكت ؟ الا يمكن استنطاقه ، وكيف ان مجموعة من القواعد المترتبة على ذلك الوجدان حجة وليس ذات الوجدان حجة ، ومَثَلِ هؤلاء ، مثل من استنبط ماء ثم اجراه عبر سواقي في مزرعة ، فلما نقص الماء اخذ يرشّ على سائر الأرض منه رذاذاً ، فقيل له الا تستنبط الماء من بئر جديدة ؟ فقال : لا إنما الماء فقط هو الذي ينبع من البئر الأولى كلا الماء هو الماء ، والبئر هي البئر ، والقدرة على استنباط الماء موجودة دائماً . فلا داعي لذلك النبع والاكتفاء برذاذ الماء بل في بعض الأحيان بخيال الماء ، أليس كذلك ؟ . ثالثاً : النظرية المادية تبدأ من محيط ضيق ولكنها لا تلبث أو تتوسع بطريقة غير منتظمة ، ولا مبررّة ، فتقع في تناقضات كثيرة ، وعادة تتوسل ببعض التعميمات غير المبررة لحل الاشكالية ، بينما النظرة الاسلامية ( الإلهية ) تبدأ بالايمان والاعتراف بكل الحقيقة . وتجعل للحقيقة اطاراً كبيراً وواسعاً ( الروح ، العقل زائد العاطفة ، الانسان زائد الكائنات ) . فلا تناقض ولا صراع ولا محاولات حل لهما . والمشكلة الكبرى عند هذه المذاهب عدم قدرتها على ايجاد أساس متين للأخلاق ، ولحقوق الانسان ، بل حقوق سائر الكائنات ( الاحياء أو الأشياء ) . فعلى ( نظرية الاهتمام ) ، عند بيري ، ونظرية « الإرادة الحرة » عند هيجل ونظرية « أنا » الوجودية ما هو أساس الاخلاق والاعتراف باهتمامات الآخرين وبإراداتهم وبوجوداتهم ؟ . ان هذه النظريات تجعل الذات محور وجود العالم . اما الآخرون فيصبح وجودهم ثانوياً ، انما يبرر وجودهم من خلال وجود « انا » لأنهم ينفعونه ، أو لأنه من دونهم لا يجد « أنا » من يؤنسه وهكذا .