السيد محمد تقي المدرسي

378

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

اطلاقها تزاحم يؤدي إلى تراكم رأس المال في يد قلة فيصبح به المال دولة بين فئة قليلة من الأغنياء ، لا سيما إذا كان ذلك في صالح المستهلك وصالح اقتصاد الدولة العام « 1 » . ويضرب الدكتور ( حسان ) مثلًا لذلك بالقول : ومثال المصالح العامة في حق كافة الخلق ، المصلحة القاضية بقتل المبتدع الداعي إلى بدعته إذا غلب على الظن ضرره ، وصار ذلك الضرر كلياً ، ويضيف قائلًا : ومثال المصلحة الخاصة النادرة ، المصلحة القاضية بفسخ نكاح زوجة المفقود « 2 » . يبقى ان نسأل الغزالي وتابعيه ، عن الحجة في تقديم المصلحة العامة ، ولم يقيموها - حسب علمنا - بل انما ارسلوها ارسال القضايا الواضحة ، وبالرغم من أنها تبدو كذلك ، ألا ان دراسة أصل هذا القول تساعدنا في معرفة ابعادها وما يمكن ان تقام حجة على هذا القول - فيما يبدو لي - الأمور التالية : اولًا : بديهة العقل إذ ان احترام حقوق المجتمع أعظم من احترام حق الفرد ، لأن المجتمع هو الآخر متكون من افراد . ويلاحظ على هذه الحجة ، ان هذه البديهة كيف غابت عن تذكرة الشرع المقدس ، علماً بأن الكتاب الكريم لم يدع بصيرة شرعية الا وذكّرنا بها . ثانياً : موارد تقديمك الشريعة للمصالح العامة على المصالح الخاصة ، وهي كثيرة وبعض الأمثلة الآنفة الذكر تعتبر منها وهي تشهد على ذلك وغيرها كثير . ونقدنا على هذه الحجة ، انها تصلح مؤيدة ، ولكن لا تصلح دليلًا ، لأنها استقراء ناقص لا ينفع ألا من إفادة يقيناً كافياً ، فان اعتماد هذه القاعدة الأساسية من دون علم كان يعتبر نوعاً من الاسترسال أو حتى العمل بالظن . ثالثاً : ان المصالح الشرعية تعتمد أدلتها ونصوصها ، وهذه النصوص ألقيت إلى العرف ولأن العرف - وبالذات عرف الفقهاء والعارفين بلغة الكتاب ومنطق الشريعة - يستنبط من تلك الأدلة ، انها تهتم بحالة سائر أبناء المجتمع ، لا أفراد منهم على حساب الآخرين ، وهذا المنهج في فقه النصوص ، يجعلنا على ثقة بأن المصلحة العامة مقدمة على

--> ( 1 ) - مقاصد الشريعة الاسلامية ومكارمها ص 177 . ( 2 ) - نظرية المصلحة في الفقه الاسلامي ص 33 . .