السيد محمد تقي المدرسي
335
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
علينا ، وقد نحافظ عليها وهذا ايضاً حقها علينا ، لان اعترافنا بها ، يستدعي التكيف معها بصورة أو بأخرى . وهكذا تصبح المحافظة على البيئة الكونية أحد ابعاد هذه الفلسفة ، التي تشمل - بالطبع - البشر باعتباره الكائن الأقرب الينا ، فكل انسان اعترف بوجوده فأني اعترف بحقه ، فهو قائم يشغل حيزاً من الأرض ( حق الإقامة ) وهو تستمر حياته بالرزق ، المأوى ، والصحة ( الحقوق الطبيعية ) وهو عاقل - كما أنا - فهو يتطلعّ إلى المعرفة ( حق العلم ) والى التكامل المعنوي ( فلا يجوز التعرض لشخصيته وعرضه ) . وهكذا تأتي شرعية الحقوق - حسب هذه الفلسفة - ليس من منفعة الشيء للذات ( انا مثلًا ) - ولكن من الاعتراف بوجوده كشيء موضوعي قائم بذاته . على أن الاعتراف بالحقائق انفع للبشر من الاصطدام معها وبالتالي ينتهي الايمان إلى خير الذات ايضاً . وما دامت الحقوق معترف بها ، فلا بدّ من تنظيمها ، ليس لضرب بعضها ببعض ، وانما بهدف الوفاء بها جميعاً . وهذا التنظيم هو خاصة القانون ، وذلك الوفاء هدفه . وهكذا نفرّق بين خاصة القانون وهدفه كيف ذلك ؟ . القانون بين جوهره وغايته : صفة السيارة وميزتها وخاصتها انها تتحرك . ولكن تلك ليست الغاية من صنعها . انما الغاية منها حمل الانسان من موقع لموقع . كذلك خاصة القانون وميزته الحقيقية وجوهره انما هو تنظيم المجتمع ، وبالتالي توفير الامن والاستقرار فيه فما هو هدفه ؟ هدفه القسط ( واعطاء كل ذي حق حقه ) فإذا قلت : هناك سيارة صنعت بلا حركة ، قلت لك : انها ليست السيارة بل زبر الحديد ، كذلك إذا قلنا : هناك قانون لا ينظم الحياة ولا يوفرّ الأمن قلنا إنه - أذاً - ليس بقانون ، اما إذا قلنا هناك قانون غير عادل ، فان المعنى مستقيم ، ولكن مثل هذا القانون ناقص ويجب ان يصلح حتى يصبح كاملًا .