السيد محمد تقي المدرسي

318

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

الاجتماعية ، ومقاومة الاخطار والتجاوزات وكل هذه الغايات الأمنية مختلفة ، فالاستقرار عند عشيرة تعيش في جزيرة ليس بمستوى الاستقرار في مجتمع متطوّر ذات علاقات متشابكة ومعقدة . ومن هنا فعلينا ألّا ننظر إلى هذه القيمة . بصورة مبسّطة بل ندرسها دراسة مقارنة مع ظروفها وسوف نتحدث عن ذلك مستقبلًا انشاء الله . وقد انتقد البعض اعطاء الأولوية للأمن واعتبر ذلك اطاراً بلا محتوى بل قال البعض : ان النظام غير العادل ليس نظاماً وانما مجرد فوضى « 1 » وأضاف وفي ذلك يكمن خطر برنامج الأمن ، لأنها حسب باتيفول تتجاهل الاحترام الواجب نحو الفرد « 2 » . وهكذا استخدم الطغاة هذه الذريعة ( الأمنية ) في سبيل فرض الديكتاتورية على الناس . حيث إن الطاغية الذي يملك تبرير المحافظة على الأمن ( من دون النظر إلى محتوى الأمن ، أي العدالة ) يُشرّع قوانين أمنية تدعم سلطاته « 3 » . ولكني ندرس ابعاد هذا النقد ومدى صحّته لا بد ان نعرف الحقائق التالية : أولًا : أنّى كانت القمية العليا للحياة . فان الغاية الأسمى للقانون إقامة القسط ، ولكن القسط لا يقوم من دون إشاعة الامن . وتحكيم النظام . وإقامة علاقات ثابتة ومعروفة النتائج بين الناس . فأول غايات القانون هو الامن ( النظام ) والقانون الذي لا نظم فيه ليس قانوناً . بينما القانون الذي تنقصه العدالة يعتبر قانوناً جائراً . والقانون الجائر أفضل من اللاقانون . والسبب ان إقامة القسط تستحيل مع الفوضى ، بينما تصعب مع القانون الجائر . وأنّى كان القانون جائراً ففيه نسبة من القسط ، أو تبادل المنافع ، أو الحقوق ، بينما لا شيء في الفوضى فالأمن مطلوب كوسيلة إلى القسط ( العدالة ) لأن القانون بلا أمن ليس بقانون ، والقانون بلا عدالة فارغ من محتواه . من هنا جعل القرآن الحكيم إقامة القسط غاية بعثة الرسل فقال الله تعالى : « لقد أرسلنا رسلنا بالبيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب » « 4 » .

--> ( 1 ) - المصدر . ( 2 ) - المصدر . ( 3 ) - فلسفه حقوق ص 419 . ( 4 ) - سورة الحديد / 25 . .