السيد محمد تقي المدرسي
258
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
وهذه النظرية - التي تذكرنا بأبيقور ونظريته التي طالما استخدامها أصحاب الهوى في الانصياع للشهوات الفاعلية - انها تنطوي على نقطة ضعف كبيرة بالرغم من أن لها بعض الجوانب الايجابيّة . وتتمثل نقطة الضعف فيها في عدم قدرتها على اقناع المؤمنين بها ، على الاهتمام بالآخرين . فإذا كانت السعادة الشخصية مقياس الخير وإذا كانت اللذة مقياس السعادة ، وإذا كان هدف القانون هذا النوع من الخير الفردي المحدود ، فأيّ تبرير يكون للدفاع عن القيم والتضحية من اجل الآخرين . وبالرغم من أن أصحاب هذه النظرية ، من ( أبيقور ) في العهد اليوناني القديم ، إلى « جرمي بنتام » و « استيوارت ميل » و « ايرينگ » في العصر الحديث ، قد حاولوا توسيع مفهوم السعادة ، لكي تشمل خير المجتمع ، وحتى ان « استيوارت ميل » آمن بوجود وجدان أخلاقي عند الانسان يمنعه من اعتبار السعادة شخصية . أقول : بالرغم من أنهم حاولوا ذلك ، الا ان فلسفتهم تنقصها القدرة على الاقناع ، بل انها تبرّر الذاتية والأنانية عند الانسان بأبشع صورها ، وهي مخالفة للقانون كما هي مخالفة للأخلاق . حيث إن الذي جعل هدف حياته اللذة والمنفعة الشخصية ، لا يتقي من تحطيم سعادة الآخرين بأية وسيلة ممكنة « 1 » . ثم إن الذه ليست حقيقة كميّة حتى تخضع للمحاسبة ، وكل انسان يمكن ان يجعل لذّته اسمى من لذة الآخرين « 2 » . بلى هناك جانب مشرق في هذه النظرية ، هي قياس نتائج القوانين وانعكاساتها على أوضاع الناس ، ومدى مساهمتها في خيرهم وصلاح معايشهم ، وقياس ذلك على أساس جمعي وليس فردي . والبحث عن أدوات لقياس كميّة السعادة ودرجتها بالنسبة إلى مختلف طوائف المجتمع ، ولا ريب ان تقدم علوم الاحصاء في كافة حقول الحياة ، يسمح لنا بهذه المقاسية ، بصورة قريبة من الدقة ، نعم يجب الا نجعل الجوانب المادية فقد مقياساً للسعادة ، بل سائر ابعاد الحياة ، بما فيها الجوانب المعنوية كما بيّنا ذلك في مناسبة أخرى .
--> ( 1 ) - المصدر ص 113 . ( 2 ) - المصدر . .