السيد محمد تقي المدرسي
25
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
6 / التأويل منطلق الفكر عندما يعقل البشر حقيقة ، يكون في بحبوحة الاندماج بها ، وفي صميم الانسجام مع نفسه ، وفي بؤرة الكينونة ، ولعل منشأ نَهَم الانسان بالعلم الذي لا يشبع ، هو هذه النزعة الفطرية في العودة إلى الوطن بعد الغربة ، والأوبة إلى الحقيقة بعد الضلال في متاهات الوهم . ولكن العروج إلى قمة الوعي بحاجة إلى إثارة الروح وانهاض العزم ، وبعث حوافز الخير . وان هذا لواحد من أعظم أهداف الرسالات الإلهية ، التي نقلت الإنسانية - دوماً - من مرحلة لأخرى ، في رحلة الكمال الدائمة . وكذلك كانت خاتمة الرسالات الإلهية والجامعة لما فيها من أهداف ؛ أو المهيمنة عليها جميعاً ( القرآن الكريم ) . كانت معراجاً للعقل إلى أسمى مدارجه ، حتى ليكاد المتدبر فيها ، يستفيد من كل آية زخماً روحياً يدفعه نحو التفكير والتذكر ، لكي يعقل العبر ويعي البصائر ، ويستلهم السنن ( الأنظمة الكونية ) . ومن الناس من يتخذ القرآن وآياته الحكيمة المنزل الأخير ، بينما هي محطة للتزود بالروح ، ومن ثم الانطلاق في رحاب الحياة . وانما امر القرآن بالسير في الأرض . والنظر في آيات الله المرسومة عليها ، والبحث عن سنن الذين مضوا من قبل . لكي لا يتعاجز الانسان عن التفكر ولا يكتفي فقط بقراءة آيات الكتاب ، دون تعقل وتذكر ، أو نشاط فكري وتجربة عملية .