السيد محمد تقي المدرسي
209
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
كل خير ، واصل كل فضيلة . وهذه الكلمات تنبعث من ضمير واع ، تخلص من سجن الأنانية ، والتبرير ، وأخذ يؤنّب نفسه على تقصيرها ، ويسعى لتصحيح مسيرته بالتوبة ، ايماناً منه بأن النفس البشرية ضعيفة ، فتسقط في الخطأ ، ولكنها تستطيع ان تستمد القوة من الله ، وتصنع معجزة التوبة ، التي هي أعظم انجاز النفس البشرية . « والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما » . فالعبادة تورث نظرة شمولية إلى العالم ، وهي بدورها تورث العدالة ، التي تتجلّى في الانفاق كما تتجلّى في سائر الأفعال ، فكما انهم يمشون على الأرض هونا . ( وقد فسّرنا هذه الكلمة وأحد تفسيريها : الاعتدال في التحرك ) كذلك يلتزمون الإقتصاد في الصرف . « والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر » . فهم لا يتساهلون في حريتهم ، ولا يخضعون لترغيب أو ترهب الطغاة ، الذين يحاولون جاهدين اخضاعهم لسلطاتهم الجائرة . « ولا يقتلون النفس التي حرّم الله ألا بالحق » . فهم يحترمون الدماء ، لأنهم يعبدوون الله خالقهم ، وخالق الناس جميعاً ، فلا يجدون لأنفسهم ميزة على الآخرين حتى تسهل عليهم إراقة دمائهم ، وهكذا يحترمون الحياة وحق كل حيّ فيها . « ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق إثاما » . « يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً الا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحاً فأولئك يبدّل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً . وهكذا تغرس عبادة الله روح التقوى في النفوس ، وبحيث يحترم كل انسان دماء الآخرين واعراضهم ، ثم هذه التقوى تتزيّن عند عباد الرحمن بالتوبة ، التي تمنع تحولها إلى انطواء وقنوط . « والذين لا يشهدون الزور » . ترى كيف تتجلى عبودية الرحمن ، في تحمل مسؤولية الكلمة ، فهم يقولون الصواب ، ويشهدون للحق .