السيد محمد تقي المدرسي
19
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
ولكن عُقدة المسلمين في عصور التخلف انهم عرفوا الحدود والرسوم والشعائر ، ولكنهم غفلوا عن تلك الحقائق التي تنساب عبرها كما غفلوا عن ضرورة حركة الجوارح في اطار تلك الرسوم والشعائر . وزاد المشكلة تعقيداً ان الحدود التي رسمت لنا كانت متأثّرة - بقدر أو بأخر - بالظروف التاريخية لحركة الامّة ، فلما توارثها الأجيال ، وتغيّرت الظروف الموضوعية للحركة داخل المجتمعات الجديدة . زادت الفجوة بينها وبين واقعهم اليوم . ومع انبعاث الحركة الحضارية في الغرب ، واقتحامها حريم حضارتنا وتراثنا ومكوّنات شخصيّاتنا الداخلية ، تغيّرت الظروف الموضوعية تغييراً كبيراً فكان الفصام بين الواقع اليومي المعاش ، وبين جملة الحدود والرسوم والشعائر التي فرغت من محتوياتها الغنية . وكانت المأساة التي لازلنا ندور في حلقاتها المغلقة ، والتي لا يمكن الخروج منها بتغييرات فوقية ( كالذي مضى عليه المتأثرون بالثقافة الغربية ) مثل تغيير الزي أو اللغة أو كتابة الحروف أو إشاعة التحلل أو حتى استيراد مناهج الاقتصاد والسياسة . ذلك ان الحضارة ليست سلعة تشترى ولا تقنية تنتقل ، وانما هي مبعث روح التحضر التي تتساقط معه الحُجُب المصطنعة بين الانسان وبين واقعة المعاش الحافل بالتطورات اليومية ، فإذا انبعثت الروح ، تعالى المسلمون عن سلبيات تراثهم ، واتصلوا مباشرة بعهد الوحي ، حيث نزل متعالياً عن الذاتيات البشرية ، بلا عوج ، بلا هوى ، وبلا تأثيرات من ركام الخرافات أو متغيرات الظروف الغابرة وإذا تجاوز المسلم اليوم حاجز الزمن واتصل بالقرآن الكريم ( كلمة الله العليا التي لا تتأثر بزمان من حقائقه ، بما يتناسب مع وقائع حياته . فان عقله يوقظ من سباته ويقوم بأضخم اعماله الا وهو تطبيق المطلق على المحدود ( بما يسمى بالاجتهاد في لغة الفقه ) وهناك يعرف التأويل الصحيح ( تطبيق النصوص العامة على المفردات ) . ويعرف ابعاد الكلمة المأثورة ( نزل القرآن على سبعة أحرف ) لأن الواقع مختلف فان أحرف القرآن وابعاده واحتمالاته وافتراضاته مختلفة ايضاً . هنالك يصبح الوحي ( ليس بديلًا عن العقل ) بل أداة لإثارته . هنالك تتأثر الحدود بالحقائق الموضوعية كما تتأثر الحقائق بالحدود ، في حركة تواصل