السيد محمد تقي المدرسي
179
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
وإذا انطلقنا إلى هذه الخاصة ، عند البشر وهي خاصة الاضفاء والمثالية ، والتي لا نجد أحداً من فلاسفة الاخلاق ينكروها ، والتي يقول عنها ( برادين ) ( الانسان هو الكائن الوحيد الذي يميل لأنه الوحيد الذي يتطلع إلى تجاوز نفسه ) ويقول المؤلف غريغوار : وتؤدي هذه الروحانية المضفاة إلى الغريزة إلى تحويل ما هو ارواء فحسب - لدى الحيوان - إلى لذة لدى الانسان ، فهذه اللذة تمثل الترجمة الوجدانية لذلك الانقلاب ، من كل تثبيت تخديري ، وذلك الخلق - من قبل الفرد - لغايات هي بالفعل « غاياته » هو بالذات . . وكذلك فإن مجال الميل ذاته هو الذي تبرز فيه فكرة « الصراع » العضوية « 1 » . أليس في استطاعتنا بالتالي ان نعتبر « الأخلاقية » كال - « صورة » العليا لتلك الخصاصة الانسانية ؟ ( وهذا في الواقع وحي الكانتية ) ، أي أن نعتبرها « البنية - الحدّ » للفاعلية الروحية ؟ أو كنوع من « ميل الميول » متولد عن التحرر من كل ميل جزئي ( ولكن هذا التحرر بالذات هو الذي يجعله تقييدياً . . فلعلّ هذا المفهوم يأذن لنا اخيراً بإيجاد تعريف مرضي لذلك « الخير المهيمن » الذّي حاول العديد من قدامي الفلاسفة البحث عن طبيعته الدقيقة دونما جدوى . . إذ ان هناك سعادة وحيدة قد يمكن وصفها بأنها « مهيمنة » - وذلك لأنها لا تكون محدودة ابداً - وهي سعادة الوصول إلى استقلال ذاتي أكمل فأكمل ، والتغلّب الفعلي على جميع تلك العقبات التي تعترض طريق « الخلق الذاتي » : أي الغايات الجزئية . وكما قال « كونت » على وجه التقريب ( « يملّ المرء كل شيء . . عدا الحب » ) ، فالحبّ انسلاخ عن كافة الميول التفريدية ، فهو بالتالي « الميل » ، ولا يرتوي هذا « الميل » ابداً لأنه هو الذي يجعل الوجود تجاوزاً « 2 » . ويحق لنا هنا ان نطرح التساؤل التالي : كيف اتصف الانسان بهذه المثالية . أفلا يجوز لنا ان نغور في اعماقنا لنكتشف هذا الحسّ الجمالي ( المطلق ) وأبعاده ؟ أفلا يجوز لنا ان نتّخذ هذا الحس ( الفطري ) معراجاً إلى ما هو أبعد من ذاتنا وكيف يجوز لنا ان نعتبر الاحساس بالحرارة دليلًا على وجود النار خارج أجسامنا ولا يجوز ان تعتبر الحس الخلاقي صدى لنداء إلهي واستجابة له ؟ يقول المؤلف :
--> ( 1 ) - المصدر ص 135 / 136 . ( 2 ) - المصدر ص 136 . .