السيد محمد تقي المدرسي
177
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
والآن دعنا نستعرض مع ( غريغوار ) خلاصة أفكاره عمّا رست عليه سفينة الباحثين عن الاخلاق انه يرى ثلاثة دروس في هذا الحقل : الف - هجر الامل نهائياً ، في عصر متأخر نسبياً ، بإنشاء اخلاق ، أو بنائها ، أو « البرهان » عليها . . . ومن البديهي انه لا يجب تنهيج هذه النظرة ، فقد كان الأخلاقي يظهر في العصور القديمة ذاتها بمظهر « ناصح » فحسب . . غير أن العصر الحديث هو الذي سادت فيه حقاً ( وبتأثير « كانت » بشكل خاص ) فكرة ان المذهب الأخلاقي لا يستطيع ان يطمح إلى أكثر من التنسيق العقلاني للمفاهيم الأخلاقية المقبولة سلفاً من قبل أولئك الذين نتوجه إليهم بالخطاب . . فهو لا يستطيع البرهان عليها بشكل قاطع « 1 » . . واختلف عن المؤلف في هذا الموضوع حيث إن السعي نحو بناء فلسفي للأخلاق لا يزال قائماً ، غير أن ( كانت ) طرح الفكرة التالية اننا لسنا بحاجة إلى مثل هذا السعي لان الوحي الذاتي للأخلاق يكفينا حسب نظريته . باء - وبين ثلاث نظريات : الاخلاق منهاج علويّ ، الاخلاق منهاج انساني ، الاخلاق منهاج شخصي ، وتجربة ذاتية . سادت الثالثة حسب رؤية ( غريغوار ) . أصبح الشعور الأخلاقي « باطنياً » بشكل ليس من الممكن انكاره : فقد مكث السلوك الأخلاقي ردحاً طويلًا من الزمن وهو يعرف بأنه خضوع ( عن عقل أو عن احترام ) لنظام علوي . . ولكنه شرع يميل منذ عصر « بايل » إلى اتخاذ مظهر الانتماء إلى نظام انساني بالأحرى . . أما اليوم فيعتبر بصورة عامة جداً كتجربة شخصية فعّالة « 2 » . هنا ايضاً لا يمكن القبول بهذا التقسيم الحاد حيث إنه لا تزال كل المدارس الفلسفية القديمة تجد انصاراً لها في عالمنا وبالتالي امتداداً وحسبما يعترف المؤلف فان النظرية العلوية تجد صداها عند لوسين مثلًا . ولكن نستطيع ان نقول إن نسبة الاهتمام تختلف من عصر لعصر بواحدة من المصادر الثلاث للإلهام الأخلاقي - السماء ( الإله ) ، الانسان ( الوجدان ) ، الفرد ( التجربة الذاتية ) . جيم - الانسان هو الحي الوحيد الذي يتعالى فهو لا يروي غرائزه فقط بل يتطلع
--> ( 1 ) - المصدر ص 134 . ( 2 ) 1 - المصدر ص 134 . .