السيد محمد تقي المدرسي
144
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
عن لذة الصداقة ( تلك الللذة الصافية المتجددة دوماً ) ودون ان يؤذي احداً ( مما يجنبه التعرض للانتقام ) ، ودون ان يجسد احداً . . كما يجب ان يتحمل الألم ( انه يدوم ابداً ويمكن محاربته بأسلوب مدروس قائم على استحضار الذكريات السعيدة ) . وعلى أيّ حال فأن الحكيم يستطيع دائماً هجر الحياة إذا أصبحت لا تطاق ( « كما يغادر غرفة أصبحت مليئة بالدخان » ) ما دام الموت ليس امراً يبعث على الخشية . ولكن المشكلة التي غابت عند أبيقور وأصحابه : ان جماح اللذة عن البشر ، لا يكبحه سوى الايمان بالآخرة ، لذلك تجد النتائج الخطيرة لهذه النظرية ، حيث أصبحت شعاراً لكل الفساق والمستهترين بالقيم ، والخارجين على القانون وحسب غريغوار : يتّضح لنا مما سبق ان « ابيقور » يصل بالنتيجة إلى إحياء الفضائل التقليدية : التعفّف ، والصداقة ، والشجاعة ، والخ . . ولكن هذه الحكمة العذبة والعقلانية ( والتي تقوم ميزاتها الرئيسية على تذكير الناس بأن الألم يتوقف ، بنسبة كبيرة ، على التقدير الذي نضعه نحن ذاتنا للأشياء ) كان من نصيبها انها ( « لاقت من النجاح بسبب مقدماتها أكثر مما لاقته بفضل نتائجها » ) على حدّ تعبير « ريفو » . . بل وأصبح المفهوم غالباً مما يعنيه الانضمام إلى الابيقورية ( بالنسبة لروما مثلًا ) البحث المنهجي الأمثل عن المتع السهلة « 1 » . . بالإضافة إلى ذلك فان الابيقورية تضرب في المثالية حتى الاعماق . حيث إنها تفرض وجود حياة هادئة وبسيطة ، ورجال حكماء ، يقدّرون مستوى الألم ومستوى اللذة . ويقدرون ايّهما أعظم . ( وهذا - بالطبع - عملية صعبه ومحفوفة بسوء التقدير غالباً ) . كما ويستطيعون ضبط أهواءهم بإرادة صلبة .
--> ( 1 ) - المصدر ص 92 - 93 . .