السيد محمد تقي المدرسي

110

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

أولًا : الخلط الغريب ، بين مقام الألوهية السامق ، ومنزلة العبودية ، وقد سبب هذا الخلط في أخطاء كبيرة وقع فيها الفكر الفلسفي عبر قرون ، الله سبحانه أكبر واعلى من أن يتنزل من مقام عظمته ويصبح مخلوقاً والعلاقة بينه - سبحانه - وبين خلقه ليست العلاقة بين البحر والسحاب ، أو النبع والرافد ، بل هو الخالق الذي ابدع الكون إبداعاً وانشأه إنشاءً وهكذا فأن المسافة قائمة بينه وبين خلقه انّى اقترب الخلق اليه « 1 » . ثانياً : القلب البشري يتلقّى نوعين من الوحي ويستمع إلى نمطين من النداء : ( الف ) - القاء رحماني يوحي به ملائكة الرب رحمةً منه بالبشر ، ( باء ) - القاء شيطاني منشؤه ضعف البشر وإبليسه المريد . ولكن المدرسة الرواقية لم تعرفنا كيفية الفصل بين هذين الندائين ، ودعت الانسان إلى التأمل الداخلي ، والاستماع إلى وحي ضميره ، حقاً انه مع التمييز بين الوحيين يستطيع البشر ان يكتشف حقائق كثيرة ، الا ان ذلك لا يعني الغاء دور الوحي الإلهي ، غير المباشر ، للانسان عبر الرسل والكتب ، والذي لم تشر اليه المدرسة الرواقية . ثالثاً : حين اعتبرت المدرسة الرواقية الفضيلة تقبل النظام طواعية ، فإنها قرّبت الينا فكرة التقوى ، وهي قمية مباركة ، ولكن السؤال الذي بقي عائماً وغامضاً هو : لماذا يتنازل البشر عن ذاته من أجل النظام ، وإذا كان تقبل النظام طواعية قيمة أساسية ، فلماذا منُح البشر حرية اتخاذ قرار التقبل أو عدم التقبل ؟ بلى البصائر الاسلامية تبلور فكرة التقوى ( الف ) - عبر بيان سلسلة من الروادع والمرغبات ( باء ) - كما تعتبر حرية الفرد اساساً لوجوده ، وتجعل التوبة بعد الذنب ، أهم حكمة ، وهذا ما رفضته المدرسة الرواقية ، التي زعمت أن الفضيلة لا تتجزاً وان الحكيم هو الذي يلتزم بكل ابعاد الفضيلة وان الجزئيات لا أهمية لها « 2 » . رابعاً : اما فكرة الاخوة فهي لا ريب أعظم انجاز للمدرسة الرواقية ، الا انها قد تتعارض مع فكرتهم عن الاعتزال والترفع ، كما سبق . . خامساً : وفكرتهم عن العبادات - بالرغم من صحتها عموماً - تتنافى ونظرتهم عن

--> ( 1 ) - ناقشنا هذه الفكرة في كتابنا العرفان الاسلامي بتفصيل . ( 2 ) - المصدر ص 45 . .