السيد محمد تقي المدرسي

95

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

( بمنهج القياس ) قد بلغوا درجة زعموا انّ بإمكانهم إصدار أعظم وأغرب الأحكام فيما يتّصل بالحقائق الكلية دون أنْ يشكّوا في صحتها بسبب معارضتها للتجارب الحسية « 1 » . ويرى أنّ السبب الرئيسي للأخطاء التي تورّطت فيها الفلسفة اليونانية أنّهم تكلَّفوا علماً لم يُؤت الإنسان يومئذٍ - أدوات معرفته « 2 » . وقد تنبّه المسلمون ، مبكراً إلى هذه الثغرة الواسعة في المنهج اليوناني المنطقي والفلسفي ولذلك لم تتأثّر ثقافتهم به إلّا عند شريحةٍ معينةٍ منهم . فمعارف التفسير والحديث والرجال والعقائد ظلّت قائمة على أساس منهجهم القرآني المتميّز بالدلائل الفطرية والوجدانية ، وإنْ لم تتبلور هذه المناهج بصورة كافية . . بلى ، استحدث علم الكلام ، واستفاد من المنهج الفلسفي للرّد على شبهات المتفلسفين من المسلين ، واستفاد البعض من القياس الذي اعتمد على فهم ملاكات الأحكام ، بينما اعتبر الآخرون منهج القياس غير مناسب لفهم احكام الدين ، وملاكاتها . واعتراضات العلماء المسلمين على المنطق الارسطي هي ذاتها التي أصبحت اليوم واضحة حتى لطلاب الثانوية . ولولا التوقّف الحضاري الذي طرأ على المسلمين بعد الحروب الصليبية الطوفان التتري لكانت المناهج القرآنية قد فتحت آفاق المعارف أمام البشرية . ولكن المعروف أنّ قبساً من نور القرآن شعّ على العقل الغربي فأناره ، وأنار له العالم ، وتقدم في حقول العلوم . إنكّ تجد رحلة الغزالي من الشك إلى اليقين قد سبقت رحلة ديكارت بقرون ، ولكنهّا لم تثمر تلك النتائج التي كانت لرحلة ديكارت . وإنّ مناقشات علماء المسلمين لعقم المنهج الكلاسيكي سبقت مناقشات بيكون ، ولكنها ذهبت أدراج حالة التخلّف التي أصابتهم . فمثلًا تجد ابن حزم يرى أنّ أقوال المتكلمين معتزلةً كانوا أم أشاعرة أم سواهم في

--> ( 1 ) - براترند رسال علم ماية عالم خارج / ترجمة منوجهربزركمر / فارسي / ص 19 . ( 2 ) - المصدر .