السيد محمد تقي المدرسي

87

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

وأنّى كان فأنّ للعقل أوامره وزواجره التي لا شكّ فيها ، فإنّه يأمرنا بالدفاع عن النفس أمام غائلة الجوع والمرض ، ويزجرنا عن إلقائها في التهلكة . وانبعاث الإنسان بعقله وتسليمه لأحكامه أشدُّ من انبعاثه بالشرع وتسليمه لأحكامه ، بل أنّ أحكام العقل الأوليّة هي التي توجب على الإنسان قبول الشرع والعمل وفق أحكامه . وتريد العقل عن هذا الدور يهدم بناء الشرع ، ولا يدع لنا أساساً نعتمد عليه في الإحتجاج على أحدٍ بشيء . إنّك تجد كل التعاليم القرآنية ترتكز على أحكامٍ عقلية ، مثل دفع الضرر ، وجلب المنفعة ، وشكر المنعم ، وردّ إحسانه بإحسانٍ مثله ، فكيف يجوز نفيُ استقلاله بحكمهُ ؟ . وما الشرع إلّا عقل ظاهر ، وما العقل إلّا شرع باطن . بلى ، العقل والشرع رسولان من عند الله ، وتأييد العقل إنّما هو بنور الله ، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور . وبكلمة : العقل قد يحكم بشيء ، وحينما يحكم به يحكم بضرورة تنفيذه ، حكماً جازماً . بلى ، هذا يختلف عن الوجوب الشرعي الذي يعني استحقاق الثواب على فعله والعقاب على تركه . .