السيد محمد تقي المدرسي
83
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
المعتزلة : إنه عقلي محض ناجم على طبيعة العقل . أما المتكلمون ( ويرى المؤلفان أن الأشاعرة في طليعتهم ) فقد أثبتوا تقدم الشريعة على العقل وقالوا : إن اللجوء إلى العقل والنظر في الأمور العقائدية فرضٌ شرعيّ ، وإنه لولا الشريعة لما تمكن العقل من معرفة الله وإثبات وجوده . فالعقل في نظر المعتزلة دليلٌ داخلي يمكِّن الإنسان من معرفة الخير والشر ، ولا قيمة للشريعة المنزلة إلا إذا اتّفقت مع أحكامه . أما المتكلمون ، ولا سيما في أول عهدهم ، فإنهم يضعون النص في الدرجة الأولى والعقل في الدرجة الثانية . وهناك نوعان من البراهين : البرهان العقلي الذي لا يستند الا إلى العقل ومبادئه ، والبرهان السمعي الذي يستند إلى القرآن والحديث والإجماع . وفيما نرى المعتزلة لا يعترفون الا بقيمة الأول ويعتبرون أن كلّ برهان سمعي لا يدعمه العقل مردود ، يظل المتكلمون ، وعلى رأسهم الأشاعرة ، يؤكدون أن البراهين العقلية لا قيمة لها إلّا لأنّ الشرع يأمر بها . وإنّ العقل لا قيمة له في ذاته ، بل فيما يستمده من الشرع . وفي حال تعذّر الوصول إلى الرهان العقلي يمكن اللجوء إلى البرهان السمعي أو النقلي ، كما يسمونه ، فيما بعد ) « 1 » . وأما فيما يتصل ببصائر الوحي في العقل ، وكيف أنه النور المؤيِّد بالله ، وأنه يختلف عن التعقّلات والأقيسة الأرسطية وما أشبه ، فيقول العلامة الميرزا الأصفهاني في ذلك : ( أما أساس علومهم ( أي علوم البشر ) فهو ( قائم ) على تعريف العلم وتنوصيفه وتقسيمه بالحضوري والحصولي ، والحصولي إلى التّصور والتصديق ، وأما أحكام العقول فعند الفحول من البشر عبارة عن الأمور الثابتة بالبرهان ، فأنّ الأساس عندهم على تعريف العقل وتوصيفه لتقسيمهم إيّاه بالعقل النظري والعملي ، والنظري عندهم ، عبارة عن فعلية النفس باستخراج النظريات عن الضروريات فما كان نتيجة البرهان فهو من أحكام العقل يجب الجري على طبقه ) « 2 » .
--> ( 1 ) - تاريخ الفلسفة العربية / ج 1 ص 179 . ( 2 ) - يوجد فراغ في المتن المخطوط الموجود عندي عند بيان العقل العملي وهو كما يقول ابن سينا : القوة التي تدبر بها النفس البدن على ضوء الآراء الجزئية التي يتوصل إليها الإنسان اما عن مقدمات أولية أو عن تجربة واختيار ( راجع تاريخ الفلسفة العربية / ج 2 - ص 191 .