السيد محمد تقي المدرسي

45

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

ببعضها ، فالإيمان بالله يتجلَّى للقلب الذي ينفذُ إلى روح الكائنات ، وضميرها المتمثّل في الحكمة البالغة والتدبير المهيمن على كل شيء . ومن الإيمان بالله الحكيم ، ينبعث الإيمان بالجزاء وباليوم الآخر ، ومنهما يفيض الإيمان بالرسالة وبالرسول . وهذا الدور المعترف به لدى كل كل المؤمنين بالرسالة هو الأساس ، وقد استشهدت به الآيات القرآنية ، حيث أمرت بالتفكّر والتذكّر . فبالتفكّر في الآيات نعرف ربّنا العزيز ، فقال سبحانه : ( إنّ في خلق السماوات وأرض واختلافِ الليل والنهار لآياتٍ لأولي الألباب ) « 1 » . وبالتفكّر نعرف الرسالة والرسول : ( أم لم يعرفوا رسوَلُهم فهم له منكرون ) « 2 » . وقال سبحانه : ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) « 3 » . ومن التفكُّر في الآيات الإلهية في الخليقة وفي آيات اله المنزلة في كتابه ، يهتدي العاقل إلى أصول الشرائع الإلهية ، لأن عدلُ الله يتجلّى في قيمة العدل في شرائعه ، ولأن حكمته في ابتلاء الخلق تتجلى في قيمة الحرية ، ولأن رحمته الواسعة تتجلَّى في قيمة الأمن والرفاه في أحكامه . وهكذا يتحقَّق دور العقل في فقه الشرائع . 2 / فقه الاحكام بالتفقَّه في الدين والتدبُّر في آيات الكتاب ، يعرف العقل البشري الأصول العامة للشرائع الإلهية ومن خلالها يتدرَّج نحو معرفة سائر الأحكام . إنك حين تتدبَّر في آيات الكتاب لا تجد حكماً شرعيّاً إلا وقد بيّنت حكمته إلى يسوقها القرآن الكريم عبر مثلٍ أو قصّةٍ أو أمثولة . وتتكرّر معها عادةً كلمات : من أجل ذلك ، أو كذلك . أو لكي لا ، أو لا يريد الله ، أو ما أشبه . القرآن الحكيم ، كتاب حكمة كما هو كتاب شريعة ، بل قبل أن يكون كتاب شريعة . وقد قال سبحانه : ( ذلك مّأ أوحى إليك ربّك من الحكمة ) « 4 » .

--> ( 1 ) - آل عمران / 190 . ( 2 ) - المؤمنون / 69 . ( 3 ) - النساء / 82 . ( 4 ) - الانعام / 39 .