السيد محمد تقي المدرسي
31
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
يا هشام ! ان العقلاء تركوا فضول الدنيا ، فكيف بالذنوب ؟ وترك الدنيا من الفضل ، وترك الذنوب من الفرض ) . لعّل الإمام يقصد بيان هذه الحقيقة أن الذنوب هي التي يجب اجتنابها ولكن العقلاء تركوا أيضاً الزيادة في الدنيا احتياطاً لأنفسهم وحمايةً لها من الوقوع في أشراك الذنوب . . ولأن اهتمامهم بفضل الدنيا كان يمنعهم من التقدّم في مدارج الكمال المعنوي . وأضاف الإمامعليه السلام - : ( إنّ العقلاء زهدوا في الدنيا ، ورغبوا في الآخرة ، لأنهم علموا أنّ الدّنيا طالبة ومطلوبة ، والآخرة طالبة ومطلوبة ، فمنْ طلب الآخرة طلبته الدّنيا حتى يستوفي منها رزقه ، ومِنْ طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته ) . والتضرّع إلى الله وسيلة هامة نحو تكميل العقل ، ليس فقط لأنه يروّض النفس على العبودية لله التي تورثبدورها - كمال العقل ، بل لأن الله سبحانه يؤيد عقل المؤمن بنور هداه ، فإذا به ينظر بنور الله . . هكذا ينصح الإمام عليه السلام هشاماً بالتضرّع إلى الله ليكمل عقله فيكون غنَّى في النفس وراحة في القلب من الحسد ، وسلامة في الدين ، وقال : ( يا هشام ! من أراد الغنى بلا مال ، وراحة القلب من الحسد ، والسلامة في الدين ، فَلْيَتَضَرَّعْ إلى الله في مسألته ، بأنْ يكمل عقله ، فمَنْ عقل قنع بما يكفيه ، ومَنْ قنع بما يكفيه استغنى ، ومَنْ لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى ابداً ) . ويبينِّ الإمام حقيقةً هامةً إذ يصف العاقل بمَن يجد حقيقة المعرفة في قلبه ، فتفيض آثارها على جوارحه ، فإذا بأفعاله جميعاً رسل قلبه المطمئن وعقله النّير . ( يا هشام ! أنّ الله عزّ وجلّ حكى عن قوم صالحين أنّهم قالوا : ( ربَّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هَدَيْتنا وَهَبْ لنا من لدنك رحمةً إنك أنت الوهّاب ) « 1 » . حين علموا أنّ القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها . إنه لم يَخَفِ الله مَنْ لم يعقل عن الله ، ومَنْ لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قبله ، ولا يكون أحد كذلك إلّا
--> ( 1 ) - آل عمران / 8