السيد محمد تقي المدرسي
23
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
يخوّف القرآن الذين لا يعقلون بعذاب الدنيا ، ويذكّرهم بمصير الغابرين الذين دمَّر الله عليهم حضاراتهم القائمة على البغي والطغيان . والقرآن الكريم يفيض بعبر الغابرين ، وبأنّ دمارهم كان بسبب تركهم فطرة عقولهم التي ذكروا بها . وكان في ذلك دعوة لهم بالعودة إلى عقولهم من جهة ، وبالخروج من أسر الهوى ( عدو العقل ) من جهة ثانية . قال الإمامعليه السلام - : ( ثم دمّرنا الآخرين ، وإنكم لتّمروُن عليهم مصبحين ، وبالليل أفلا تعقلون ) « 1 » . ثالثاً : والعقل كُتلة نور إذا انبسطت على أرجاء الخليقة وكشفت الحقائق فيها سُمّيت علماً ومعرفةً وتفاعل الإنسان معها أكثر فأكثر . وكذلك كان العلم وزير العقل ، بل كان نفسه وروحه . والقرآن الحكيم ذكّرنا بدور العلم في تنمية العقل وتكميله في أكثر من آية ، ولكنّ الإمام الكاظمعليه السلاميتلو علينا آية واحدة للمثل . ( وكفى بها مثلًا ) فيقول : ( يا هشام ثّم بيّن أنّ العقل مع العلم ، فقال : ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلّا العالِمون ) « 2 » . رابعاً : لكي يستخدم الإنسان عقله ، ويستنير بنوره في حياته العملية ، فهو بحاجة إلى إرادة ، والقرآن ينّمي هذه الإرادة عند الإنسان بسبل مختلفة ، منها : ذمّ الذين لا يعقلون ، وبيان أنّهم لا قيمة لهم حتى لو كانوا من آبائنا الأولين ، بل إنهم شرّ الدوابّ عند الله ، لأنّ أيّة دابّةٍ خلقها الله تستخدم كل مواهب الله لها ، بينما الإنسان لا يستخدم عقله وهو أعظم موهبة . وفي كتاب ربّنا آيات كثيرة في هذا الاتّجاه ، منها ما يسوقه الإمام الكاظم لصاحبه هشام مثلًا فيقول : يا هشام ! ثم ذمّ الذين لا يعقلون ، فقال : ( وإذا قيل لهم اتَّبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أَوَلَوْ كان آباءهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون ) « 3 » .
--> ( 1 ) - الصافات / 136 - 138 ( 2 ) - العنكبوت / 42 . ( 3 ) - البقرة / 170 .