السيد محمد تقي المدرسي
211
الفقه الإسلامي (تعليقات على العروة الوثقى ومهذب الأحكام)
فليس تكليفاً صرفاً ، كما في الصلاة والصوم بل للأمر به جهة وضعية « 1 » ، فوجوبه على نحو الدينية بخلاف سائر العبادات البدنية ، فلذا يخرج من الأصل كما يشير إليه بعض الأخبار الناطقة بأنه دين أو بمنزلة الدين قلت : التحقيق أن جميع « 2 » الواجبات الإلهية ديون لله تعالى ، سواء كانت مالًا أو عملًا مالياً أو عملًا غير مالي ، فالصلاة والصوم أيضاً ديون لله ولهما جهة وضع ، فذمة المكلف مشغولة بهما ولذا يجب قضاؤهما فإن القاضي يفرغ ذمة نفسه أو ذمة الميت ، وليس القضاء من باب التوبة ، أو من باب الكفارة بل هو إتيان لما كانت الذمة مشغولة به ، ولا فرق بين كون الاشتغال بالمال أو بالعمل ، بل مثل قوله : لله علي أن أعطي زيداً درهماً ، دين إلهي لا خلقي فلا يكون الناذر مديوناً لزيد بل هو مديون لله بدفع الدرهم لزيد ، ولا فرق بينه وبين أن يقول : لله علي أن أحج أو أن أصلي ركعتين فالكل دين الله ، ودين الله أحق أن يقضى ، كما في بعض الأخبار ، ولازم هذا كون الجميع من الأصل ، نعم إذا كان الوجوب على وجه لا يقبل بقاء شغل الذمة به بعد فوته لا يجب قضاؤه ، لا بالنسبة إلى نفس من وجب عليه ، ولا بعد موته ، سواء كان مالًا أو عملًا مثل وجوب إعطاء الطعام لمن يموت من الجوع عام المجاعة ، فإنه لو لم يعطه حتى مات لا يجب عليه ولا على وارثه القضاء ، لأن الواجب إنما هو حفظ النفس المحترمة ، وهذا لا يقبل البقاء بعد فوته ، وكما في نفقة الأرحام فإنه لو ترك الإنفاق عليهم مع تمكنه لا يصير ديناً عليه ، لأن الواجب سد الخلة ، وإذا فات لا يتدارك فتحصل أن مقتضى القاعدة في الحج النذري إذا تمكنه وترك حتى مات وجوب قضائه من الأصل ، لأنه دين إلهي إلا أن يقال بانصراف الدين عن مثل هذه الواجبات ، وهو محل منع ، بل دين الله أحق أن يقضى ، وأما الجماعة القائلون بوجوب قضائه من الثلث فاستدلوا بصحيحة ضريس وصحيحة ابن أبي يعفور الدالتين على أن من نذر الإحجاج ومات قبله يخرج من ثلثه ، وإذا كان نذر الإحجاج كذلك مع كونه مالياً قطعاً فنذر الحج بنفسه أولى ، بعدم الخروج « 3 » من الأصل ، وفيه أن الأصحاب لم يعملوا بهذين الخبرين في موردهما ، فكيف يعمل بهما في غيره ؟ وأما الجواب عنهما بالحمل على صورة كون النذر في حال المرض بناءً على خروج المنجزات
--> ( 1 ) بلى ، يستفاد من مجمل أدلة الحج أنه أقرب إلى الواجبات المالية ، منها أدلة الإحجاج عند عدم القدرة ، ومنها دليل الاستطاعة التي هي ظاهرة في المالية ، وإذا كان أصل حجة الإسلام ذات جهة مالية فإن النذية مثلها لأنها تابعة ، فالأقوى ما ذكر في المتن . ( 2 ) لا يساعد عليه التأمل ، إذ إن كون كل واجب ديني تنشغل به ذمة المكلف أعم من كونه مثل الديون المالية التي ورد الدليل على أنها مقدمة على الإرث ، لا أقل من الشك في شمول أدلة الدين لك واجب فالأصل عدمه والمرجع أدلة الإرث . ( 3 ) لم يفهم الأولوية ، ولذا فالأقرب أن يكون نذر الحج من الأصل ونذر الإحجاج من الثلث .