السيد محمد تقي المدرسي

82

فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)

بلى إذا تأمّلنا جيّداً في متغيّرات الظروف قد نجد واقعاً يتحمّل أكثر من حكم باعتباره محوراً لأكثر من قيمة وحكمة ، فهناك ينبغي أن يختار المؤمن الأحسن ، وهو الأقرب إلى الحق والمصلحة والأبعد عن الهوى . وقد قال سبحانه في بيان صفات المؤمنين : ( فَبَشِّر عِبادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) . « 1 » وقال : ( فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا ) . « 2 » وقال : ( وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) . « 3 » وقصة داود وسليمان عليهما السلام وحكمهما في موضوع واحد معروفة حيث إنّ كِلا الحكمين كانا موافقين للحق ولكن حكم سليمان كان الأحسن . قال الله سبحانه : ( وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ) « 4 » وجاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام في تفسير هذه الآية : « إنّه كان أوحى الله عز وجل إلى النبيين قبل داود - إلى أن بعث الله داود - : أيّ غنم نفشت في الحرث فلصاحب الحرث رقاب الغنم ، ولا يكون النَفَش إلا بالليل ، فإنّ على صاحب الزرع أن يحفظه بالنهار وعلى صاحب الغنم حفظ الغنم بالليل ، فحكم داود بما حكمت به الأنبياء عليه السلام من قبله ، وأوحى الله عز وجل إلى سليمان عليه السلام : أيّ غنم نفشت في زرعٍ فليس لصاحب الزرع إلا ما خرج من بطونها . وكذلك جرت السنّة بعد سليمان ، وهو قول الله عز وجل : ( وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ) فَحَكَمَ كل واحد منهما بحكم الله عز وجل . » « 5 »

--> ( 1 ) - الزمر ، 17 - 18 . ( 2 ) - الأعراف ، 145 . ( 3 ) - الإسراء ، 53 . ( 4 ) - الأنبياء ، 78 - 79 . ( 5 ) - الكافي ، ج 5 ، باب ضمان مايُفسد البهائم من الحرث والزرع ، ص 302 ، ح 3 .