السيد محمد تقي المدرسي

65

فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)

وحيويتها ، فإنَّ فجوات معينة لازالت تفصل بيننا وبين لغة القرآن نختصرها فيما يلي : ألف : بصمات الثقافة الجاهلية لقد حاول الجاهليّون الجدد من بني أمية وبني العباس الذين تسلَّطوا على الناس بقوة السيف وعارضهم المصلحون بثقافة الوحي ، حاولوا إعادة لغة الجاهلية وثقافتها من خلال إعادة الاعتبار إلى شعراء الجاهلية ، وهكذا نشروا بين الناس تلك اللغة التي نسخها الوحي ، واختلطت تلك اللغة في وعي الناس بلغة الوحي ، حتى أنَّ بعض المفسّرين طفقوا إدخالها في التفسير باسم أنها تمثّل اللغة العربية الأصيلة . وأيّ ناقد للّغة يستطيع أن يعرف مدى الفرق بين لغة القرآن وتلك المتون الشعرية الجاهلية ، ولكن - ومع الأسف - هذا الخلط المتعمّد بين اللغتين كَدَّرت صفاء اللغة القرآنية وامتدادها المتمثل في لغة الأحاديث . باء : بصمات الفلسفة اليونانية لا ريب أنَّ هناك تفاعلًا بين اللغة كوعاء وبين الثقافة التي تحتويها اللغة ، وهكذا كانت اللغة العربية قبل الوحي متأثرةً بالثقافة الجاهلية ، وحينما تُرْجِمت الكتب الأعجمية ( مثل كتب الفلسفة والتصوّف وغيرهما ) إلى اللغة العربية تأثّرت اللغة بها وانتشرت فيها مفردات لم تكن مألوفة . جيم : بصمات الجاهلية الجديدة وفي الآونة الأخيرة حينما تواصلت الحضارات وتُرجِمت الكتب الأجنبية بما تحمل من ثقافات إلى اللغة العربية تأثّرت اللغة العربية - مرة أخرى - بها ، وأصبحت حاجزاً جديداً بيننا وبين الفهم العميق لكتاب ربنا . وهكذا تأثّرت سليقة العربي الصافية ، التي كانت تتلقى آي الكتاب وأحاديث السنة بصفاء وشفافية ، تأثّرت بهذه الأسباب وأصبح الكتاب وكأنّه بحاجة إلى ترجمان . رابعاً : فقه القرآن ، بالقرآن والسنة وعلينا اليوم - إذا أردنا فهم أبعاد النصوص - أن نختار منهجاً لتفسيرها من داخل