السيد محمد تقي المدرسي
297
فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)
والواقع إنّ ملاك البحث هنا هو الذات المتلبس بصفة معيّنة يمكن انتزاعها منه مع بقاء ذلك الذات بعد الانتزاع عند العرف ، أمّا مع عدمه عرفاً فلا ، مثل الإنسان الذي لو مات وأصبح تراباً لايُسمّى إنساناً ، لأنَّ عنوان " الإنسانية " يزول أبداً بزوال ملامحه ، ولا يقال لتراب المقابر إنه أمة من الناس إلّا تجوّزاً ، كما قال الشاعر : خفِّف الوطأ فما أظن * أديم الأرض إلّا من هذه الأجساد رُبَّ لحدٍ صار لحداً مراراً * ضاحكاً من توارد الأضداد . وهكذا من المجاز استعمال ظرف الزمان في المنقضي مثل يوم 13 رجب ميلاد الإمام علي عليه السلام ، فإنّ استعمال هذا التأريخ إنما هو بلحاظ ذكرى ميلاده ، وكذلك يوم عاشوراء يوم شهادة الإمام الحسين عليه السلام فإنه يُسمّى ذلك بلحاظ يوم وقوع الحادثة أي بتاريخ سنة 61 هجرية . أما اسم المكان ، مثلًا موقع معركة بدر ، فإنه أيضاً يمكن البحث فيه باعتبار بقاء الذات ( مكان الواقعة ) وانقضاء الحادثة ( معركة بدر في عهد النبي صلى الله عليه وآله ) . وفي مثل هذه الأيام أو المواقع ، إنما يصح استعمال اللفظ إذا بقيت آثار الحوادث التي وقعت فيها ، مثل قوله سبحانه : ( وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ ) « 1 » وقوله سبحانه : ( وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) « 2 » . ففي مثل هذه الموارد ، المسوّغ لاستخدام اسمي الزمان والمكان بعد انقضاء الحدث هو بقاء آثارها ، فكأنَّ الحدث لا يزال موجوداً وهذا بالضبط ما يسمى عندهم بلحاظ حالة التلبس . ثانيا : أنماط المشتق تعلّق الحدث بذاتٍ ، والذي نعبِّر عنه بالمشتق ، ليس بنمطٍ واحدٍ ، فهناك أقسام مختلفة للمشتق ذكرها بعض الفقهاء ، وفيما يلي بعض التفصيل في هذا الشأن لما فيه من فائدة كبيرة في فهم المشتق . أ - نمط الحالات التي يتلبّس بها الشخص وقتاً ثم لا يلبث أن ينقضي ، مثل القيام
--> ( 1 ) - إبراهيم ، 5 . ( 2 ) - البقرة ، 125 .